منتديات مفاتيح الجنة

زائرنا الحبيب أهلاً بك ومرحباً يمكنك الإطلاع أو نسخ الموضوعات دون التسجيل أو إضافة ردود ويسعدنا إنضمامك الينا بتسجيلك بالمنتدي والله المستعان
منتديات مفاتيح الجنة

* إسلامي قائم علي الكتاب والسنة * { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }


تفسير السعدى - الموضوع الثامن

شاطر

ehab
مشرف عام
مشرف عام

الساعة الآن :
ذكر
العمل : محاسب
الهوايات : الكتب الدينية
رقم العضوية : 11
تاريخ التسجيل : 06/09/2007
عدد الرسائل : 818
البلد : المدينة : مصر / القاهرة
علم بلدك :
الاوسمة :
  دعاء :

اعضاء تفسير السعدى - الموضوع الثامن

مُساهمة من طرف ehab في الجمعة مايو 15, 2009 2:11 pm

تابع تفسير سورة البقرة
تفسير الربع الثالث من الحزب الثانى (الجزء الأول)


‏[‏106 ـ 107‏]‏ ‏{‏مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السموات وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ‏}‏

النسخ‏:‏ هو النقل‏,‏ فحقيقة النسخ نقل المكلفين من حكم مشروع‏,‏ إلى حكم آخر‏,‏ أو إلى إسقاطه، وكان اليهود ينكرون النسخ‏,‏ ويزعمون أنه لا يجوز‏,‏ وهو مذكور عندهم في التوراة‏,‏ فإنكارهم له كفر وهوى محض‏.‏

فأخبر الله تعالى عن حكمته في النسخ، وأنه ما ينسخ من آية ‏{‏أَوْ نُنْسِهَا‏}‏ أي‏:‏ ننسها العباد‏,‏ فنزيلها من قلوبهم، ‏{‏نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا‏}‏ وأنفع لكم ‏{‏أَوْ مِثْلِهَا‏}‏

فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم من الأول؛ لأن فضله تعالى يزداد خصوصًا على هذه الأمة‏,‏ التي سهل عليها دينها غاية التسهيل‏.‏

وأخبر أن من قدح في النسخ فقد قدح في ملكه وقدرته فقال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السموات وَالْأَرْضِ‏}‏

فإذا كان مالكا لكم‏,‏ متصرفا فيكم‏,‏ تصرف المالك البر الرحيم في أقداره وأوامره ونواهيه‏,‏ فكما أنه لا حجر عليه في تقدير ما يقدره على عباده من أنواع التقادير‏,‏ كذلك لا يعترض عليه فيما يشرعه لعباده من الأحكام‏.‏ فالعبد مدبر مسخر تحت أوامر ربه الدينية والقدرية‏,‏ فما له والاعتراض‏؟‏

وهو أيضًا‏,‏ ولي عباده‏,‏ ونصيرهم، فيتولاهم في تحصيل منافعهم‏,‏ وينصرهم في دفع مضارهم، فمن ولايته لهم‏,‏ أن يشرع لهم من الأحكام‏,‏ ما تقتضيه حكمته ورحمته بهم‏.‏

ومن تأمل ما وقع في القرآن والسنة من النسخ‏,‏ عرف بذلك حكمة الله ورحمته عباده‏,‏ وإيصالهم إلى مصالحهم‏,‏ من حيث لا يشعرون بلطفه‏.‏

‏[‏108 ـ 110‏]‏ ‏{‏أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏

ينهى الله المؤمنين‏,‏ أو اليهود‏,‏ بأن يسألوا رسولهم ‏{‏كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ‏}‏ والمراد بذلك‏,‏ أسئلة التعنت والاعتراض‏,‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً‏}‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‏}‏ فهذه ونحوها‏,‏ هي المنهي عنها‏.‏

وأما سؤال الاسترشاد والتعلم‏,‏ فهذا محمود قد أمر الله به كما قال تعالى ‏{‏فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ‏}‏ ويقررهم عليه‏,‏ كما في قوله ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ‏}‏ و ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى‏}‏ ونحو ذلك‏.‏

ولما كانت المسائل المنهي عنها مذمومة‏,‏ قد تصل بصاحبها إلى الكفر، قال‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ‏}‏

ثم أخبر عن حسد كثير من أهل الكتاب‏,‏ وأنهم بلغت بهم الحال‏,‏ أنهم ودوا ‏{‏لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا‏}‏ وسعوا في ذلك‏,‏ وأعملوا المكايد‏,‏ وكيدهم راجع عليهم ‏[‏كما‏]‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ وهذا من حسدهم الصادر من عند أنفسهم‏.‏

فأمرهم الله بمقابلة من أساء إليهم غاية الإساءة بالعفو عنهم والصفح حتى يأتي الله بأمره‏.‏

ثم بعد ذلك‏,‏ أتى الله بأمره إياهم بالجهاد‏,‏ فشفى الله أنفس المؤمنين منهم‏,‏ فقتلوا من قتلوا‏,‏ واسترقوا من استرقوا‏,‏ وأجلوا من أجلوا ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏

ثم أمرهم ‏[‏الله‏]‏ بالاشتغال في الوقت الحاضر‏,‏ بإقامة الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة وفعل كل القربات، ووعدهم أنهم مهما فعلوا من خير‏,‏ فإنه لا يضيع عند الله‏,‏ بل يجدونه عنده وافرا موفرا قد حفظه ‏{‏إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏

‏[‏111 ـ 112‏]‏ ‏{‏وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏

أي‏:‏ قال اليهود‏:‏ لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى‏:‏ لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم‏,‏ وهذا مجرد أماني غير مقبولة‏,‏ إلا بحجة وبرهان‏,‏ فأتوا بها إن كنتم صادقين، وهكذا كل من ادعى دعوى‏,‏ لا بد أن يقيم البرهان على صحة دعواه، وإلا‏,‏ فلو قلبت عليه دعواه‏,‏ وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما، فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوى أو يكذبها، ولما لم يكن بأيديهم برهان‏,‏ علم كذبهم بتلك الدعوى‏.‏

ثم ذكر تعالى البرهان الجلي العام لكل أحد‏,‏ فقال‏:‏ ‏{‏بَلَى‏}‏ أي‏:‏ ليس بأمانيكم ودعاويكم‏,‏ ولكن ‏{‏مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ‏}‏ أي‏:‏ أخلص لله أعماله‏,‏ متوجها إليه بقلبه، ‏{‏وَهُوَ‏}‏ مع إخلاصه ‏{‏مُحْسِنٌ‏}‏ في عبادة ربه‏,‏ بأن عبده بشرعه‏,‏ فأولئك هم أهل الجنة وحدهم‏.‏

‏{‏فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ‏}‏ وهو الجنة بما اشتملت عليه من النعيم، ‏{‏وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ فحصل لهم المرغوب‏,‏ ونجوا من المرهوب‏.‏

ويفهم منها‏,‏ أن من ليس كذلك‏,‏ فهو من أهل النار الهالكين، فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود‏,‏ والمتابعة للرسول‏.‏

‏[‏113‏]‏ ‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏

وذلك أنه بلغ بأهل الكتاب الهوى والحسد‏,‏ إلى أن بعضهم ضلل بعضًا‏,‏ وكفر بعضهم بعضًا‏,‏ كما فعل الأميون من مشركي العرب وغيرهم‏.‏

فكل فرقة تضلل الفرقة الأخرى‏,‏ ويحكم الله في الآخرة بين المختلفين بحكمه العدل‏,‏ الذي أخبر به عباده‏,‏ فإنه لا فوز ولا نجاة إلا لمن صدق جميع الأنبياء والمرسلين‏,‏ وامتثل أوامر ربه‏,‏ واجتنب نواهيه‏,‏ ومن عداهم‏,‏ فهو هالك‏.‏

ehab
مشرف عام
مشرف عام

الساعة الآن :
ذكر
العمل : محاسب
الهوايات : الكتب الدينية
رقم العضوية : 11
تاريخ التسجيل : 06/09/2007
عدد الرسائل : 818
البلد : المدينة : مصر / القاهرة
علم بلدك :
الاوسمة :
  دعاء :

اعضاء رد: تفسير السعدى - الموضوع الثامن

مُساهمة من طرف ehab في الجمعة مايو 15, 2009 2:12 pm

‏[‏114‏]‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏

أي‏:‏ لا أحد أظلم وأشد جرما‏,‏ ممن منع مساجد الله‏,‏ عن ذكر الله فيها‏,‏ وإقامة الصلاة وغيرها من الطاعات‏.‏


‏{‏وَسَعَى‏}‏ أي‏:‏ اجتهد وبذل وسعه ‏{‏فِي خَرَابِهَا‏}‏ الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي‏:‏ هدمها وتخريبها‏,‏ وتقذيرها، والخراب المعنوي‏:‏ منع الذاكرين لاسم الله فيها، وهذا عام‏,‏ لكل من اتصف بهذه الصفة‏,‏ فيدخل في ذلك أصحاب الفيل‏,‏ وقريش‏,‏ حين صدوا رسول الله عنها عام الحديبية‏,‏ والنصارى حين أخربوا بيت المقدس‏,‏ وغيرهم من أنواع الظلمة‏,‏ الساعين في خرابها‏,‏ محادة لله‏,‏ ومشاقة، فجازاهم الله‏,‏ بأن منعهم دخولها شرعًا وقدرًا‏,‏ إلا خائفين ذليلين‏,‏ فلما أخافوا عباد الله‏,‏ أخافهم الله، فالمشركون الذين صدوا رسوله‏,‏ لم يلبث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا يسيرا‏,‏ حتى أذن الله له في فتح مكة، ومنع المشركين من قربان بيته‏,‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا‏}‏

وأصحاب الفيل‏,‏ قد ذكر الله ما جرى عليهم، والنصارى‏,‏ سلط الله عليهم المؤمنين‏,‏ فأجلوهم عنه‏.‏

وهكذا كل من اتصف بوصفهم‏,‏ فلا بد أن يناله قسطه‏,‏ وهذا من الآيات العظيمة‏,‏ أخبر بها الباري قبل وقوعها‏,‏ فوقعت كما أخبر‏.‏

واستدل العلماء بالآية الكريمة‏,‏ على أنه لا يجوز تمكين الكفار من دخول المساجد‏.‏

‏{‏لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ‏}‏ أي‏:‏ فضيحة كما تقدم ‏{‏وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏

وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه‏,‏ فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية‏,‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ‏}‏

بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها‏,‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏}‏

وللمساجد أحكام كثيرة‏,‏ يرجع حاصلها إلى مضون هذه الآيات الكريمة‏.‏

‏[‏115‏]‏ ‏{‏وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ‏}‏

أي‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ‏}‏ خصهما بالذكر‏,‏ لأنهما محل الآيات العظيمة‏,‏ فهما مطالع الأنوار ومغاربها، فإذا كان مالكا لها‏,‏ كان مالكا لكل الجهات‏.‏

‏{‏فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا‏}‏ وجوهكم من الجهات‏,‏ إذا كان توليكم إياها بأمره‏,‏ إما أن يأمركم باستقبال الكعبة بعد أن كنتم مأمورين باستقبال بيت المقدس‏,‏ أو تؤمرون بالصلاة في السفر على الراحلة ونحوها‏,‏ فإن القبلة حيثما توجه العبد أو تشتبه القبلة‏,‏ فيتحرى الصلاة إليها‏,‏ ثم يتبين له الخطأ‏,‏ أو يكون معذورًا بصلب أو مرض ونحو ذلك، فهذه الأمور‏,‏ إما أن يكون العبد فيها معذورًا أو مأمورًا‏.‏

وبكل حال‏,‏ فما استقبل جهة من الجهات‏,‏ خارجة عن ملك ربه‏.‏

‏{‏فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ‏}‏ فيه إثبات الوجه لله تعالى‏,‏ على الوجه اللائق به تعالى‏,‏ وأن لله وجها لا تشبهه الوجوه‏,‏ وهو ـ تعالى ـ واسع الفضل والصفات عظيمها‏,‏ عليم بسرائركم ونياتكم‏.‏

فمن سعته وعلمه‏,‏ وسع لكم الأمر‏,‏ وقبل منكم المأمور‏,‏ فله الحمد والشكر‏.‏

‏[‏116 ـ 117‏]‏ ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السموات وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السموات وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏

‏{‏وَقَالُوا‏}‏ أي‏:‏ اليهود والنصارى والمشركون‏,‏ وكل من قال ذلك‏:‏ ‏{‏اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا‏}‏ فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله‏,‏ وأساءوا كل الإساءة‏,‏ وظلموا أنفسهم‏.‏

وهو ـ تعالى ـ صابر على ذلك منهم‏,‏ قد حلم عليهم‏,‏ وعافاهم‏,‏ ورزقهم مع تنقصهم إياه‏.‏

‏{‏سُبْحَانَهُ‏}‏ أي‏:‏ تنزه وتقدس عن كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله، فسبحان من له الكمال المطلق‏,‏ من جميع الوجوه‏,‏ الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه‏.‏

ومع رده لقولهم‏,‏ أقام الحجة والبرهان على تنزيهه عن ذلك فقال‏:‏ ‏{‏بَلْ لَهُ مَا فِي السموات وَالْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ جميعهم ملكه وعبيده‏,‏ يتصرف فيهم تصرف المالك بالمماليك‏,‏ وهم قانتون له مسخرون تحت تدبيره، فإذا كانوا كلهم عبيده‏,‏ مفتقرين إليه‏,‏ وهو غني عنهم‏,‏ فكيف يكون منهم أحد‏,‏ يكون له ولدا‏,‏ والولد لا بد أن يكون من جنس والده‏,‏ لأنه جزء منه‏.‏

والله تعالى المالك القاهر‏,‏ وأنتم المملوكون المقهورون‏,‏ وهو الغني وأنتم الفقراء، فكيف مع هذا‏,‏ يكون له ولد‏؟‏ هذا من أبطل الباطل وأسمجه‏.‏

والقنوت نوعان‏:‏ قنوت عام‏:‏ وهو قنوت الخلق كلهم‏,‏ تحت تدبير الخالق، وخاص‏:‏ وهو قنوت العبادة‏.‏

فالنوع الأول كما في هذه الآية، والنوع الثاني‏:‏ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏بَدِيعُ السموات وَالْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ خالقهما على وجه قد أتقنهما وأحسنهما على غير مثال سبق‏.‏

‏{‏وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ فلا يستعصى عليه‏,‏ ولا يمتنع منه‏.‏

‏[‏118 ـ 119‏]‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ‏}‏

أي‏:‏ قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم‏:‏ هلا يكلمنا‏,‏ كما كلم الرسل، ‏{‏أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ‏}‏ يعنون آيات الاقتراح‏,‏ التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة‏,‏ وآرائهم الكاسدة‏,‏ التي تجرأوا بها على الخالق‏,‏ واستكبروا على رسله كقولهم‏:‏ ‏{‏لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً‏}‏ ‏{‏يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ‏}‏ الآية، وقالوا‏:‏ ‏{‏لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ‏}‏ الآيات وقوله‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا‏}‏ الآيات‏.‏

فهذا دأبهم مع رسلهم‏,‏ يطلبون آيات التعنت‏,‏ لا آيات الاسترشاد‏,‏ ولم يكن قصدهم تبين الحق، فإن الرسل‏,‏ قد جاءوا من الآيات‏,‏ بما يؤمن بمثله البشر‏,‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏}‏ فكل موقن‏,‏ فقد عرف من آيات الله الباهرة‏,‏ وبراهينه الظاهرة‏,‏ ما حصل له به اليقين‏,‏ واندفع عنه كل شك وريب‏.‏

ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات الدالة على صدقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحة ما جاء به فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا‏}‏ فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها‏,‏ وهي ترجع إلى ثلاثة أمور‏:‏

الأول‏:‏ في نفس إرساله‏,‏ والثاني‏:‏ في سيرته وهديه ودله، والثالث‏:‏ في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة‏.‏

فالأول والثاني‏,‏ قد دخلا في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ‏}‏ والثالث دخل في قوله‏:‏ ‏{‏بِالْحَقِّ‏}‏

وبيان الأمر الأول وهو ـ نفس إرساله ـ أنه قد علم حالة أهل الأرض قبل بعثته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما كانوا عليه من عبادة الأوثان والنيران‏,‏ والصلبان‏,‏ وتبديلهم للأديان‏,‏ حتى كانوا في ظلمة من الكفر‏,‏ قد عمتهم وشملتهم‏,‏ إلا بقايا من أهل الكتاب‏,‏ قد انقرضوا قبيل البعثة‏.‏

وقد علم أن الله تعالى لم يخلق خلقه سدى‏,‏ ولم يتركهم هملا‏,‏ لأنه حكيم عليم‏,‏ قدير رحيم، فمن حكمته ورحمته بعباده‏,‏ أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم‏,‏ يأمرهم بعبادة الرحمن وحده لا شريك له‏,‏ فبمجرد رسالته يعرف العاقل صدقه‏,‏ وهو آية كبيرة على أنه رسول الله، وأما الثاني‏:‏ فمن عرف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معرفة تامة‏,‏ وعرف سيرته وهديه قبل البعثة‏,‏ ونشوءه على أكمل الخصال‏,‏ ثم من بعد ذلك‏,‏

قد ازدادت مكارمه وأخلاقه العظيمة الباهرة للناظرين‏,‏ فمن عرفها‏,‏ وسبر أحواله‏,‏ عرف أنها لا تكون إلا أخلاق الأنبياء الكاملين‏,‏ لأن الله تعالى جعل الأوصاف أكبر دليل على معرفة أصحابها وصدقهم وكذبهم‏.‏

وأما الثالث‏:‏ فهو معرفة ما جاء به ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الشرع العظيم‏,‏ والقرآن الكريم‏,‏ المشتمل على الإخبارات الصادقة‏,‏ والأوامر الحسنة‏,‏ والنهي عن كل قبيح‏,‏ والمعجزات الباهرة‏,‏ فجميع الآيات تدخل في هذه الثلاثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏بَشِيرًا‏}‏ أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية، ‏{‏نَذِيرًا‏}‏ لمن عصاك بالشقاوة والهلاك الدنيوي والأخروي‏.‏

‏{‏وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ‏}‏ أي‏:‏ لست مسئولا عنهم‏,‏ إنما عليك البلاغ‏,‏ وعلينا الحساب‏.‏

‏[‏120‏]‏ ‏{‏وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ *‏}‏

يخبر تعالى رسوله‏,‏ أنه لا يرضى منه اليهود ولا النصارى‏,‏ إلا باتباعه دينهم‏,‏ لأنهم دعاة إلى الدين الذي هم عليه‏,‏ ويزعمون أنه الهدى، فقل لهم‏:‏ ‏{‏إِنَّ هُدَى اللَّهِ‏}‏ الذي أرسلت به ‏{‏هُوَ الْهُدَى‏}‏

وأما ما أنتم عليه‏,‏ فهو الهوى بدليل قوله ‏{‏وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ‏}‏

فهذا فيه النهي العظيم‏,‏ عن اتباع أهواء اليهود والنصارى‏,‏ والتشبه بهم فيما يختص به دينهم، والخطاب وإن كان لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن أمته داخلة في ذلك، لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص المخاطب، كما أن العبرة بعموم اللفظ‏,‏ لا بخصوص السبب‏.‏



ثم قال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شيئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ *‏}‏

يخبر تعالى أن الذين آتاهم الكتاب‏,‏ ومنَّ عليهم به منة مطلقة‏,‏ أنهم ‏{‏يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ‏}‏ أي‏:‏ يتبعونه حق اتباعه‏,‏ والتلاوة‏:‏ الاتباع، فيحلون حلاله‏,‏ ويحرمون حرامه‏,‏ ويعملون بمحكمه‏,‏ ويؤمنون بمتشابهه، وهؤلاء هم السعداء من أهل الكتاب‏,‏ الذين عرفوا نعمة الله وشكروها‏,‏ وآمنوا بكل الرسل‏,‏ ولم يفرقوا بين أحد منهم‏.‏

فهؤلاء‏,‏ هم المؤمنون حقا‏,‏ لا من قال منهم‏:‏ ‏{‏نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه‏}‏

ولهذا توعدهم بقوله ‏{‏وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ‏}‏ وقد تقدم تفسير الآية التي بعدها‏.‏

    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء يوليو 26, 2017 2:45 pm