منتديات مفاتيح الجنة

زائرنا الحبيب أهلاً بك ومرحباً يمكنك الإطلاع أو نسخ الموضوعات دون التسجيل أو إضافة ردود ويسعدنا إنضمامك الينا بتسجيلك بالمنتدي والله المستعان
منتديات مفاتيح الجنة

* إسلامي قائم علي الكتاب والسنة * { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }


تفسير السعدى - الموضوع التاسع

شاطر

ehab
مشرف عام
مشرف عام

الساعة الآن :
ذكر
العمل : محاسب
الهوايات : الكتب الدينية
رقم العضوية : 11
تاريخ التسجيل : 06/09/2007
عدد الرسائل : 818
البلد : المدينة : مصر / القاهرة
علم بلدك :
الاوسمة :
  دعاء :

اعضاء تفسير السعدى - الموضوع التاسع

مُساهمة من طرف ehab في الجمعة مايو 15, 2009 2:16 pm

تابع تفسير سورة البقرة
تفسير الربع الرابع من الحزب الثانى (الجزء الأول)


‏[‏124 ـ 125‏]‏ ‏{‏وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ * وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ‏}‏

يخبر تعالى‏,‏ عن عبده وخليله‏,‏ إبراهيم عليه السلام‏,‏ المتفق على إمامته وجلالته‏,‏ الذي كل من طوائف أهل الكتاب تدعيه‏,‏ بل وكذلك المشركون‏:‏ أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات‏,‏ أي‏:‏ بأوامر ونواهي‏,‏ كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده‏,‏ ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء‏,‏ والامتحان من الصادق‏,‏ الذي ترتفع درجته‏,‏ ويزيد قدره‏,‏ ويزكو عمله‏,‏ ويخلص ذهبه، وكان من أجلِّهم في هذا المقام‏,‏ الخليل عليه السلام‏.‏

فأتم ما ابتلاه الله به‏,‏ وأكمله ووفاه‏,‏ فشكر الله له ذلك‏,‏ ولم يزل الله شكورا فقال‏:‏ ‏{‏إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا‏}‏ أي‏:‏ يقتدون بك في الهدى‏,‏ ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية‏,‏ ويحصل لك الثناء الدائم‏,‏ والأجر الجزيل‏,‏ والتعظيم من كل أحد‏.‏

وهذه ـ لعمر الله ـ أفضل درجة‏,‏ تنافس فيها المتنافسون‏,‏ وأعلى مقام‏,‏ شمر إليه العاملون‏,‏ وأكمل حالة حصلها أولو العزم من المرسلين وأتباعهم‏,‏ من كل صديق متبع لهم‏,‏ داع إلى الله وإلى سبيله‏.‏

فلما اغتبط إبراهيم بهذا المقام‏,‏ وأدرك هذا‏,‏ طلب ذلك لذريته‏,‏ لتعلو درجته ودرجة ذريته، وهذا أيضًا من إمامته‏,‏ ونصحه لعباد الله‏,‏ ومحبته أن يكثر فيهم المرشدون، فلله عظمة هذه الهمم العالية‏,‏ والمقامات السامية‏.‏

فأجابه الرحيم اللطيف‏,‏ وأخبر بالمانع من نيل هذا المقام فقال‏:‏ ‏{‏لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏}‏ أي‏:‏ لا ينال الإمامة في الدين‏,‏ من ظلم نفسه وضرها‏,‏ وحط قدرها‏,‏ لمنافاة الظلم لهذا المقام‏,‏ فإنه مقام آلته الصبر واليقين، ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة‏,‏ والأخلاق الجميلة‏,‏ والشمائل السديدة‏,‏ والمحبة التامة‏,‏ والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام‏؟‏

ودل مفهوم الآية‏,‏ أن غير الظالم‏,‏ سينال الإمامة‏,‏ ولكن مع إتيانه بأسبابها‏.‏

ثم ذكر تعالى‏,‏ نموذجا باقيا دالا على إمامة إبراهيم‏,‏ وهو هذا البيت الحرام الذي جعل قصده‏,‏ ركنا من أركان الإسلام‏,‏ حاطا للذنوب والآثام‏.‏

وفيه من آثار الخليل وذريته‏,‏ ما عرف به إمامته‏,‏ وتذكرت به حالته فقال‏:‏ ‏{‏وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ‏}‏ أي‏:‏ مرجعا يثوبون إليه‏,‏ لحصول منافعهم الدينية والدنيوية‏,‏ يترددون إليه‏,‏ ولا يقضون منه وطرًا، ‏{‏و‏}‏ جعله ‏{‏أَمْنًا‏}‏ يأمن به كل أحد‏,‏ حتى الوحش‏,‏ وحتى الجمادات كالأشجار‏.‏

ولهذا كانوا في الجاهلية ـ على شركهم ـ يحترمونه أشد الاحترام‏,‏ ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم‏,‏ فلا يهيجه، فلما جاء الإسلام‏,‏ زاده حرمة وتعظيمًا‏,‏ وتشريفًا وتكريمًا‏.‏

‏{‏وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى‏}‏ يحتمل أن يكون المراد بذلك‏,‏ المقام المعروف الذي قد جعل الآن‏,‏ مقابل باب الكعبة، وأن المراد بهذا‏,‏ ركعتا الطواف‏,‏ يستحب أن تكونا خلف مقام إبراهيم‏,‏ وعليه جمهور المفسرين، ويحتمل أن يكون المقام مفردا مضافا‏,‏ فيعم جميع مقامات إبراهيم في الحج، وهي المشاعر كلها‏:‏ من الطواف‏,‏ والسعي‏,‏ والوقوف بعرفة‏,‏ ومزدلفة ورمي الجمار والنحر‏,‏ وغير ذلك من أفعال الحج‏.‏

فيكون معنى قوله‏:‏ ‏{‏مُصَلًّى‏}‏ أي‏:‏ معبدًا‏,‏ أي‏:‏ اقتدوا به في شعائر الحج، ولعل هذا المعنى أولى‏,‏ لدخول المعنى الأول فيه‏,‏ واحتمال اللفظ له‏.‏

‏{‏وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ‏}‏ أي‏:‏ أوحينا إليهما‏,‏ وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك‏,‏ والكفر والمعاصي‏,‏ ومن الرجس والنجاسات والأقذار‏,‏ ليكون ‏{‏لِلطَّائِفِينَ‏}‏ فيه ‏{‏وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ‏}‏ أي‏:‏ المصلين، قدم الطواف‏,‏ لاختصاصه بالمسجد ‏[‏الحرام‏]‏، ثم الاعتكاف‏,‏ لأن من شرطه المسجد مطلقا، ثم الصلاة‏,‏ مع أنها أفضل‏,‏ لهذا المعنى‏.‏

وأضاف الباري البيت إليه لفوائد، منها‏:‏ أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره‏,‏ لكونه بيت الله، فيبذلان جهدهما‏,‏ ويستفرغان وسعهما في ذلك‏.‏

ومنها‏:‏ أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام، ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه‏.‏

ومنها‏:‏ أن هذه الإضافة هي السبب الجاذب للقلوب إليه‏.‏

‏[‏126‏]‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏}‏

أي‏:‏ وإذ دعا إبراهيم لهذا البيت‏,‏ أن يجعله الله بلدًا آمنا‏,‏ ويرزق أهله من أنواع الثمرات، ثم قيد عليه السلام هذا الدعاء للمؤمنين‏,‏ تأدبا مع الله‏,‏ إذ كان دعاؤه الأول‏,‏ فيه الإطلاق‏,‏ فجاء الجواب فيه مقيدا بغير الظالم‏.‏

فلما دعا لهم بالرزق‏,‏ وقيده بالمؤمن‏,‏ وكان رزق الله شاملا للمؤمن والكافر‏,‏ والعاصي والطائع‏,‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ كَفَرَ‏}‏ أي‏:‏ أرزقهم كلهم‏,‏ مسلمهم وكافرهم، أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة الله‏,‏ ثم ينتقل منه إلى نعيم الجنة، وأما الكافر‏,‏ فيتمتع فيها قليلا ‏{‏ثُمَّ أَضْطَرُّهُ‏}‏ أي‏:‏ ألجئه وأخرجه مكرها ‏{‏إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏}‏

‏[‏127 ـ 129‏]‏ ‏{‏وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏

أي‏:‏ واذكر إبراهيم وإسماعيل‏,‏ في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس‏,‏ واستمرارهما على هذا العمل العظيم، وكيف كانت حالهما من الخوف والرجاء‏,‏ حتى إنهما مع هذا العمل دعوا الله أن يتقبل منهما عملهما‏,‏ حتى يحصل فيه النفع العميم‏.‏

ودعوا لأنفسهما‏,‏ وذريتهما بالإسلام‏,‏ الذي حقيقته‏,‏ خضوع القلب‏,‏ وانقياده لربه المتضمن لانقياد الجوارح‏.‏ ‏{‏وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا‏}‏ أي‏:‏ علمناها على وجه الإراءة والمشاهدة‏,‏ ليكون أبلغ‏.‏ يحتمل أن يكون المراد بالمناسك‏:‏ أعمال الحج كلها‏,‏ كما يدل عليه السياق والمقام، ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من ذلك وهو الدين كله‏,‏ والعبادات كلها‏,‏ كما يدل عليه عموم اللفظ‏,‏ لأن النسك‏:‏ التعبد‏,‏ ولكن غلب على متعبدات الحج‏,‏ تغليبا عرفيا، فيكون حاصل دعائهما‏,‏ يرجع إلى التوفيق للعلم النافع‏,‏ والعمل الصالح، ولما كان العبد ـ مهما كان ـ لا بد أن يعتريه التقصير‏,‏ ويحتاج إلى التوبة قالا‏:‏ ‏{‏وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏}‏

‏{‏رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ‏}‏ أي‏:‏ في ذريتنا ‏{‏رَسُولًا مِنْهُمْ‏}‏ ليكون أرفع لدرجتهما‏,‏ ولينقادوا له‏,‏ وليعرفوه حقيقة المعرفة‏.‏ ‏{‏يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ‏}‏ لفظا‏,‏ وحفظا‏,‏ وتحفيظا ‏{‏وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ‏}‏ معنى‏.‏

‏{‏وَيُزَكِّيهِمْ‏}‏ بالتربية على الأعمال الصالحة والتبري من الأعمال الردية‏,‏ التي لا تزكي النفوس معها‏.‏ ‏{‏إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ‏}‏ أي‏:‏ القاهر لكل شيء‏,‏ الذي لا يمتنع على قوته شيء‏.‏ ‏{‏الْحَكِيمُ‏}‏ الذي يضع الأشياء مواضعها، فبعزتك وحكمتك‏,‏ ابعث فيهم هذا الرسول‏.‏ فاستجاب الله لهما‏,‏ فبعث الله هذا الرسول الكريم‏,‏ الذي رحم الله به ذريتهما خاصة‏,‏ وسائر الخلق عامة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏أنا دعوة أبي إبراهيم‏)‏‏.‏

ولما عظم الله إبراهيم هذا التعظيم‏,‏ وأخبر عن صفاته الكاملة قال تعالى‏:‏

‏[‏130 ـ 134‏]‏ ‏{‏وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏

أي‏:‏ ما يرغب ‏{‏عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ‏}‏ بعد ما عرف من فضله ‏{‏إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ‏}‏ أي‏:‏ جهلها وامتهنها‏,‏ ورضي لها بالدون‏,‏ وباعها بصفقة المغبون، كما أنه لا أرشد وأكمل‏,‏ ممن رغب في ملة إبراهيم، ثم أخبر عن حالته في الدنيا والآخرة فقال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا‏}‏ أي‏:‏ اخترناه ووفقناه للأعمال‏,‏ التي صار بها من المصطفين الأخيار‏.‏

‏{‏وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ‏}‏ الذين لهم أعلى الدرجات‏.‏

‏{‏إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ‏}‏ امتثالا لربه ‏{‏أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ إخلاصًا وتوحيدًا‏,‏ ومحبة‏,‏ وإنابة فكان التوحيد لله نعته‏.‏

ثم ورثه في ذريته‏,‏ ووصاهم به‏,‏ وجعلها كلمة باقية في عقبه‏,‏ وتوارثت فيهم‏,‏ حتى وصلت ليعقوب فوصى بها بنيه‏.‏

فأنتم ـ يا بني يعقوب ـ قد وصاكم أبوكم بالخصوص‏,‏ فيجب عليكم كمال الانقياد‏,‏ واتباع خاتم الأنبياء قال‏:‏ ‏{‏يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ‏}‏ أي‏:‏ اختاره وتخيره لكم‏,‏ رحمة بكم‏,‏ وإحسانا إليكم‏,‏ فقوموا به‏,‏ واتصفوا بشرائعه‏,‏ وانصبغوا بأخلاقه‏,‏ حتى تستمروا على ذلك فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه‏,‏ لأن من عاش على شيء‏,‏ مات عليه‏,‏ ومن مات على شيء‏,‏ بعث عليه‏.‏

ولما كان اليهود يزعمون أنهم على ملة إبراهيم‏,‏ ومن بعده يعقوب‏,‏ قال تعالى منكرا عليهم‏:‏ ‏{‏أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ‏}‏ أي‏:‏ حضورا ‏{‏إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ‏}‏ أي‏:‏ مقدماته وأسبابه، فقال لبنيه على وجه الاختبار‏,‏ ولتقر عينه في حياته بامتثالهم ما وصاهم به‏:‏ ‏{‏مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي‏}‏‏؟‏ فأجابوه بما قرت به عينه فقالوا‏:‏ ‏{‏نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا‏}‏ فلا نشرك به شيئًا‏,‏ ولا نعدل به أحدا، ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏ فجمعوا بين التوحيد والعمل‏.‏

ومن المعلوم أنهم لم يحضروا يعقوب‏,‏ لأنهم لم يوجدوا بعد، فإذا لم يحضروا‏,‏ فقد أخبر الله عنه أنه وصى بنيه بالحنيفية‏,‏ لا باليهودية‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ‏}‏ أي‏:‏ مضت ‏{‏لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ‏}‏ أي‏:‏ كل له عمله‏,‏ وكل سيجازى بما فعله‏,‏ لا يؤخذ أحد بذنب أحد ولا ينفع أحدا إلا إيمانه وتقواه فاشتغالكم بهم وادعاؤكم‏,‏ أنكم على ملتهم‏,‏ والرضا بمجرد القول‏,‏ أمر فارغ لا حقيقة له، بل الواجب عليكم‏,‏ أن تنظروا حالتكم التي أنتم عليها‏,‏ هل تصلح للنجاة أم لا‏؟‏

‏[‏135‏]‏ ‏{‏وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏

أي‏:‏ دعا كل من اليهود والنصارى المسلمين إلى الدخول في دينهم‏,‏ زاعمين أنهم هم المهتدون وغيرهم ضال‏.‏

قل له مجيبا جوابا شافيا‏:‏ ‏{‏بَلْ‏}‏ نتبع ‏{‏مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا‏}‏ أي‏:‏ مقبلا على الله‏,‏ معرضا عما سواه‏,‏ قائما بالتوحيد‏,‏ تاركا للشرك والتنديد‏.‏

فهذا الذي في اتباعه الهداية‏,‏ وفي الإعراض عن ملته الكفر والغواية‏.‏

ehab
مشرف عام
مشرف عام

الساعة الآن :
ذكر
العمل : محاسب
الهوايات : الكتب الدينية
رقم العضوية : 11
تاريخ التسجيل : 06/09/2007
عدد الرسائل : 818
البلد : المدينة : مصر / القاهرة
علم بلدك :
الاوسمة :
  دعاء :

اعضاء رد: تفسير السعدى - الموضوع التاسع

مُساهمة من طرف ehab في الجمعة مايو 15, 2009 2:16 pm

‏[‏136‏]‏ ‏{‏قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏

هذه الآية الكريمة‏,‏ قد اشتملت على جميع ما يجب الإيمان به‏.‏


واعلم أن الإيمان الذي هو تصديق القلب التام‏,‏ بهذه الأصول‏,‏ وإقراره المتضمن لأعمال القلوب والجوارح، وهو بهذا الاعتبار يدخل فيه الإسلام‏,‏ وتدخل فيه الأعمال الصالحة كلها، فهي من الإيمان‏,‏ وأثر من آثاره، فحيث أطلق الإيمان‏,‏ دخل فيه ما ذكر، وكذلك الإسلام‏,‏ إذا أطلق دخل فيه الإيمان، فإذا قرن بينهما‏,‏ كان الإيمان اسما لما في القلب من الإقرار والتصديق، والإسلام‏,‏ اسما للأعمال الظاهرة وكذلك إذا جمع بين الإيمان والأعمال الصالحة، فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُولُوا‏}‏ أي‏:‏ بألسنتكم‏,‏ متواطئة عليها قلوبكم، وهذا هو القول التام‏,‏ المترتب عليه الثواب والجزاء، فكما أن النطق باللسان‏,‏ بدون اعتقاد القلب‏,‏ نفاق وكفر، فالقول الخالي من العمل عمل القلب‏,‏ عديم التأثير‏,‏ قليل الفائدة‏,‏ وإن كان العبد يؤجر عليه‏,‏ إذا كان خيرا ومعه أصل الإيمان، لكن فرق بين القول المجرد‏,‏ والمقترن به عمل القلب‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏قُولُوا‏}‏ إشارة إلى الإعلان بالعقيدة‏,‏ والصدع بها‏,‏ والدعوة لها‏,‏ إذ هي أصل الدين وأساسه‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏آمَنَّا‏}‏ ونحوه مما فيه صدور الفعل‏,‏ منسوبا إلى جميع الأمة‏,‏ إشارة إلى أنه يجب على الأمة‏,‏ الاعتصام بحبل الله جميعا‏,‏ والحث على الائتلاف حتى يكون داعيهم واحدا‏,‏ وعملهم متحدا‏,‏ وفي ضمنه النهي عن الافتراق، وفيه‏:‏ أن المؤمنين كالجسد الواحد‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ‏}‏ إلخ دلالة على جواز إضافة الإنسان إلى نفسه الإيمان‏,‏ على وجه التقييد‏,‏ بل على وجوب ذلك، بخلاف قوله‏:‏ ‏"‏أنا مؤمن‏"‏ ونحوه‏,‏ فإنه لا يقال إلا مقرونا بالاستثناء بالمشيئة‏,‏ لما فيه من تزكية النفس‏,‏ والشهادة على نفسه بالإيمان‏.‏

فقوله‏:‏ ‏{‏آمَنَّا بِاللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ بأنه موجود‏,‏ واحد أحد‏,‏ متصف بكل صفة كمال‏,‏ منزه عن كل نقص وعيب‏,‏ مستحق لإفراده بالعبادة كلها‏,‏ وعدم الإشراك به في شيء منها‏,‏ بوجه من الوجوه‏.‏

‏{‏وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا‏}‏ يشمل القرآن والسنة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ‏}‏ فيدخل فيه الإيمان بما تضمنه كتاب الله وسنة رسوله‏,‏ من صفات الباري‏,‏ وصفات رسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ والغيوب الماضية والمستقبلة‏,‏ والإيمان بما تضمنه ذلك من الأحكام الشرعية الأمرية‏,‏ وأحكام الجزاء وغير ذلك‏.‏

‏{‏وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ‏}‏ إلى آخر الآية، فيه الإيمان بجميع الكتب المنزلة على جميع الأنبياء، والإيمان بالأنبياء عمومًا و خصوصًا‏,‏ ما نص عليه في الآية‏,‏ لشرفهم ولإتيانهم بالشرائع الكبار‏.‏ فالواجب في الإيمان بالأنبياء والكتب‏,‏ أن يؤمن بهم على وجه العموم والشمول، ثم ما عرف منهم بالتفصيل‏,‏ وجب الإيمان به مفصلًا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ‏}‏ أي‏:‏ بل نؤمن بهم كلهم، هذه خاصية المسلمين‏,‏ التي انفردوا بها عن كل من يدعي أنه على دين‏.‏

فاليهود والنصارى والصابئون وغيرهم ـ وإن زعموا أنهم يؤمنون بما يؤمنون به من الرسل والكتب ـ فإنهم يكفرون بغيره، فيفرقون بين الرسل والكتب‏,‏ بعضها يؤمنون به وبعضها يكفرون به، وينقض تكذيبهم تصديقهم، فإن الرسول الذي زعموا‏,‏ أنهم قد آمنوا به‏,‏ قد صدق سائر الرسل و خصوصًا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإذا كذبوا محمدًا‏,‏ فقد كذبوا رسولهم فيما أخبرهم به‏,‏ فيكون كفرا برسولهم‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ‏}‏ دلالة على أن عطية الدين‏,‏ هي العطية الحقيقية المتصلة بالسعادة الدنيوية والأخروية‏.‏ لم يأمرنا أن نؤمن بما أوتي الأنبياء من الملك والمال ونحو ذلك، بل أمرنا أن نؤمن بما أعطوا من الكتب والشرائع‏.‏

وفيه أن الأنبياء مبلغون عن الله‏,‏ ووسائط بين الله وبين خلقه في تبليغ دينه‏,‏ ليس لهم من الأمر شيء‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏مِنْ رَبِّهِمْ‏}‏ إشارة إلى أنه من كمال ربوبيته لعباده‏,‏ أن ينزل عليهم الكتب‏,‏ ويرسل إليهم الرسل‏,‏ فلا تقتضي ربوبيته‏,‏ تركهم سدى ولا هملًا‏.‏

وإذا كان ما أوتي النبيون‏,‏ إنما هو من ربهم‏,‏ ففيه الفرق بين الأنبياء وبين من يدعي النبوة‏,‏ وأنه يحصل الفرق بينهم بمجرد معرفة ما يدعون إليه، فالرسل لا يدعون إلا إلى لخير‏,‏ ولا ينهون إلا عن كل شر، وكل واحد منهم‏,‏ يصدق الآخر‏,‏ ويشهد له بالحق‏,‏ من غير تخالف ولا تناقض لكونه من عند ربهم ‏{‏وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كثيرًا‏}‏

وهذا بخلاف من ادعى النبوة‏,‏ فلا بد أن يتناقضوا في أخبارهم وأوامرهم ونواهيهم‏,‏ كما يعلم ذلك من سبر أحوال الجميع‏,‏ وعرف ما يدعون إليه‏.‏

فلما بيَّن تعالى جميع ما يؤمن به‏,‏ عمومًا و خصوصًا‏,‏ وكان القول لا يغني عن العمل قال‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ خاضعون لعظمته‏,‏ منقادون لعبادته‏,‏ بباطننا وظاهرنا‏,‏ مخلصون له العبادة بدليل تقديم المعمول‏,‏ وهو ‏{‏لَهُ‏}‏ على العامل وهو ‏{‏مُسْلِمُونَ‏}‏

فقد اشتملت هذه الآية الكريمة ـ على إيجازها واختصارها ـ على أنواع التوحيد الثلاثة‏:‏ توحيد الربوبية‏,‏ وتوحيد الألوهية‏,‏ وتوحيد الأسماء والصفات، واشتملت على الإيمان بجميع الرسل‏,‏ وجميع الكتب، وعلى التخصيص الدال على الفضل بعد التعميم، وعلى التصديق بالقلب واللسان والجوارح والإخلاص لله في ذلك، وعلى الفرق بين الرسل الصادقين‏,‏ ومن ادعى النبوة من الكاذبين، وعلى تعليم الباري عباده‏,‏ كيف يقولون‏,‏ ورحمته وإحسانه عليهم بالنعم الدينية المتصلة بسعادة الدنيا والآخرة، فسبحان من جعل كتابه تبيانا لكل شيء‏,‏ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون‏.‏

‏[‏137‏]‏ ‏{‏فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏

أي‏:‏ فإن آمن أهل الكتاب ‏{‏بمثل ما آمنتم به‏}‏ ـ يا معشر المؤمنين ـ من جميع الرسل‏,‏ وجميع الكتب‏,‏ الذين أول من دخل فيهم‏,‏ وأولى خاتمهم وأفضلهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقرآن‏,‏ وأسلموا لله وحده‏,‏ ولم يفرقوا بين أحد من رسل الله ‏{‏فَقَدِ اهْتَدَوْا‏}‏ للصراط المستقيم‏,‏ الموصل لجنات النعيم، أي‏:‏ فلا سبيل لهم إلى الهداية‏,‏ إلا بهذا الإيمان، لا كما زعموا بقولهم‏:‏ ‏{‏كونوا هودا أو نصارى تهتدوا‏}‏ فزعموا أن الهداية خاصة بما كانوا عليه، و ‏"‏الهدى‏"‏ هو العلم بالحق‏,‏ والعمل به‏,‏ وضده الضلال عن العلم والضلال عن العمل بعد العلم‏,‏ وهو الشقاق الذي كانوا عليه‏,‏ لما تولوا وأعرضوا، فالمشاق‏:‏ هو الذي يكون في شق والله ورسوله في شق، ويلزم من المشاقة المحادة‏,‏ والعداوة البليغة‏,‏ التي من لوازمها‏,‏ بذل ما يقدرون عليه من أذية الرسول، فلهذا وعد الله رسوله‏,‏ أن يكفيه إياهم‏,‏ لأنه السميع لجميع الأصوات‏,‏ باختلاف اللغات‏,‏ على تفنن الحاجات‏,‏ العليم بما بين أيديهم وما خلفهم‏,‏ بالغيب والشهادة‏,‏ بالظواهر والبواطن، فإذا كان كذلك‏,‏ كفاك الله شرهم‏.‏

وقد أنجز الله لرسوله وعده‏,‏ وسلطه عليهم حتى قتل بعضهم‏,‏ وسبى بعضهم‏,‏ وأجلى بعضهم‏,‏ وشردهم كل مشرد‏.‏

ففيه معجزة من معجزات القرآن‏,‏ وهو الإخبار بالشيء قبل وقوعه‏,‏ فوقع طبق ما أخبر‏.‏

‏[‏138‏]‏ ‏{‏صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ‏}‏‏.‏

أي‏:‏ الزموا صبغة الله‏,‏ وهو دينه‏,‏ وقوموا به قيامًا تامًا‏,‏ بجميع أعماله الظاهرة والباطنة‏,‏ وجميع عقائده في جميع الأوقات‏,‏ حتى يكون لكم صبغة‏,‏ وصفة من صفاتكم، فإذا كان صفة من صفاتكم‏,‏ أوجب ذلك لكم الانقياد لأوامره‏,‏ طوعا واختيارًا ومحبة‏,‏ وصار الدين طبيعة لكم بمنزلة الصبغ التام للثوب الذي صار له صفة‏,‏ فحصلت لكم السعادة الدنيوية والأخروية‏,‏ لحث الدين على مكارم الأخلاق‏,‏ ومحاسن الأعمال‏,‏ ومعالي الأمور، فلهذا قال ـ على سبيل التعجب المتقرر للعقول الزكية ـ ‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً‏}‏ أي‏:‏ لا أحسن صبغة من صبغته‏.‏

وإذا أردت أن تعرف نموذجا يبين لك الفرق بين صبغة الله وبين غيرها من الصبغ‏,‏ فقس الشيء بضده، فكيف ترى في عبد آمن بربه إيمانا صحيحا‏,‏ أثر معه خضوع القلب وانقياد الجوارح، فلم يزل يتحلى بكل وصف حسن‏,‏ وفعل جميل‏,‏ وخلق كامل‏,‏ ونعت جليل، ويتخلى من كل وصف قبيح‏,‏ ورذيلة وعيب، فوصفه‏:‏ الصدق في قوله وفعله‏,‏ والصبر والحلم‏,‏ والعفة‏,‏ والشجاعة‏,‏ والإحسان القولي والفعلي‏,‏ ومحبة الله وخشيته‏,‏ وخوفه‏,‏ ورجاؤه، فحاله الإخلاص للمعبود‏,‏ والإحسان لعبيده، فقسه بعبد كفر بربه‏,‏ وشرد عنه‏,‏ وأقبل على غيره من المخلوقين فاتصف بالصفات القبيحة‏,‏ من الكفر‏,‏ والشرك والكذب‏,‏ والخيانة‏,‏ والمكر‏,‏ والخداع‏,‏ وعدم العفة‏,‏ والإساءة إلى الخلق‏,‏ في أقواله‏,‏ وأفعاله، فلا إخلاص للمعبود‏,‏ ولا إحسان إلى عبيده‏.‏

فإنه يظهر لك الفرق العظيم بينهما‏,‏ ويتبين لك أنه لا أحسن صبغة من صبغة الله‏,‏ وفي ضمنه أنه لا أقبح صبغة ممن انصبغ بغير دينه‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ‏}‏ بيان لهذه الصبغة‏,‏ وهي القيام بهذين الأصلين‏:‏ الإخلاص والمتابعة‏,‏ لأن ‏"‏العبادة‏"‏ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال‏,‏ والأقوال الظاهرة والباطنة، ولا تكون كذلك‏,‏ حتى يشرعها الله على لسان رسوله، والإخلاص‏:‏ أن يقصد العبد وجه الله وحده‏,‏ في تلك الأعمال، فتقديم المعمول‏,‏ يؤذن بالحصر‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ‏}‏ فوصفهم باسم الفاعل الدال على الثبوت والاستقرار‏,‏ ليدل على اتصافهم بذلك وكونه صار صبغة لهم ملازمًا‏.‏

‏[‏139‏]‏ ‏{‏قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ‏}‏

المحاجة هي‏:‏ المجادلة بين اثنين فأكثر‏,‏ تتعلق بالمسائل الخلافية‏,‏ حتى يكون كل من الخصمين يريد نصرة قوله‏,‏ وإبطال قول خصمه، فكل واحد منهما‏,‏ يجتهد في إقامة الحجة على ذلك، والمطلوب منها‏,‏ أن تكون بالتي هي أحسن‏,‏ بأقرب طريق يرد الضال إلى الحق‏,‏ ويقيم الحجة على المعاند‏,‏ ويوضح الحق‏,‏ ويبين الباطل، فإن خرجت عن هذه الأمور‏,‏ كانت مماراة‏,‏ ومخاصمة لا خير فيها‏,‏ وأحدثت من الشر ما أحدثت، فكان أهل الكتاب‏,‏ يزعمون أنهم أولى بالله من المسلمين‏,‏ وهذا مجرد دعوى‏,‏ تفتقر إلى برهان ودليل‏.‏ فإذا كان رب الجميع واحدا‏,‏ ليس ربا لكم دوننا‏,‏ وكل منا ومنكم له عمله‏,‏ فاستوينا نحن وإياكم بذلك‏.‏ فهذا لا يوجب أن يكون أحد الفريقين أولى بالله من غيره؛ لأن التفريق مع الاشتراك في الشيء‏,‏ من غير فرق مؤثر‏,‏ دعوى باطلة‏,‏ وتفريق بين متماثلين‏,‏ ومكابرة ظاهرة‏.‏ وإنما يحصل التفضيل‏,‏ بإخلاص الأعمال الصالحة لله وحده، وهذه الحالة‏,‏ وصف المؤمنين وحدهم‏,‏ فتعين أنهم أولى بالله من غيرهم؛ لأن الإخلاص‏,‏ هو الطريق إلى الخلاص، فهذا هو الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان‏,‏ بالأوصاف الحقيقية التي يسلمها أهل العقول‏,‏ ولا ينازع فيها إلا كل مكابر جهول، ففي هذه الآية‏,‏ إرشاد لطيف لطريق المحاجة‏,‏ وأن الأمور مبنية على الجمع بين المتماثلين‏,‏ والفرق بين المختلفين‏.‏

‏[‏140‏]‏ ‏{‏أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏

وهذه دعوى أخرى منهم‏,‏ ومحاجة في رسل الله‏,‏ زعموا أنهم أولى بهؤلاء الرسل المذكورين من المسلمين‏.‏

فرد الله عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ‏}‏ فالله يقول‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏ وهم يقولون‏:‏ بل كان يهوديا أو نصرانيا‏.‏

فإما أن يكونوا‏,‏ هم الصادقين العالمين‏,‏ أو يكون الله تعالى هو الصادق العالم بذلك‏,‏ فأحد الأمرين متعين لا محالة، وصورة الجواب مبهم‏,‏ وهو في غاية الوضوح والبيان، حتى إنه ـ من وضوحه ـ لم يحتج أن يقول بل الله أعلم وهو أصدق‏,‏ ونحو ذلك‏,‏ لانجلائه لكل أحد، كما إذا قيل‏:‏ الليل أنور‏,‏ أم النهار‏؟‏ والنار أحر أم الماء‏؟‏ والشرك أحسن أم التوحيد‏؟‏ ونحو ذلك‏.‏

وهذا يعرفه كل من له أدنى عقل حتى إنهم بأنفسهم يعرفون ذلك‏,‏ ويعرفون أن إبراهيم وغيره من الأنبياء‏,‏ لم يكونوا هودا ولا نصارى‏,‏ فكتموا هذا العلم وهذه الشهادة‏,‏ فلهذا كان ظلمهم أعظم الظلم‏.‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ‏}‏ فهي شهادة عندهم‏,‏ مودعة من الله‏,‏ لا من الخلق‏,‏ فيقتضي الاهتمام بإقامتها‏,‏ فكتموها‏,‏ وأظهروا ضدها، جمعوا بين كتم الحق‏,‏ وعدم النطق به‏,‏ وإظهار الباطل‏,‏ والدعوة إليه، أليس هذا أعظم الظلم‏؟‏ بلى والله‏,‏ وسيعاقبهم عليه أشد العقوبة، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ بل قد أحصى أعمالهم‏,‏ وعدها وادخر لهم جزاءها‏,‏ فبئس الجزاء جزاؤهم‏,‏ وبئست النار‏,‏ مثوى للظالمين، وهذه طريقة القرآن في ذكر العلم والقدرة‏,‏ عقب الآيات المتضمنة للأعمال التي يجازى عليها‏.‏

فيفيد ذلك الوعد والوعيد‏,‏ والترغيب والترهيب، ويفيد أيضًا ذكر الأسماء الحسنى بعد الأحكام‏,‏ أن الأمر الديني والجزائي‏,‏ أثر من آثارها‏,‏ وموجب من موجباتها‏,‏ وهي مقتضية له‏.‏

‏[‏141‏]‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏

تقدم تفسيرها‏,‏ وكررها‏,‏ لقطع التعلق بالمخلوقين‏,‏ وأن المعول عليه ما اتصف به الإنسان‏,‏ لا عمل أسلافه وآبائه، فالنفع الحقيقي بالأعمال‏,‏ لا بالانتساب المجرد للرجال‏.‏

ehab
مشرف عام
مشرف عام

الساعة الآن :
ذكر
العمل : محاسب
الهوايات : الكتب الدينية
رقم العضوية : 11
تاريخ التسجيل : 06/09/2007
عدد الرسائل : 818
البلد : المدينة : مصر / القاهرة
علم بلدك :
الاوسمة :
  دعاء :

اعضاء رد: تفسير السعدى - الموضوع التاسع

مُساهمة من طرف ehab في الجمعة مايو 15, 2009 2:18 pm

تم نقل تفسير الجزء الأول من القرآن الكريم
وإلى الملتقى مع تفسير الجزء الثانى
جزاكم الله خيراً ولا تنسونا فى دعائكم
رزقنا الله وأياكم حفظ كتابه وحسن فهمه والعمل به وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

    الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء نوفمبر 21, 2017 2:50 am