منتديات مفاتيح الجنة

زائرنا الحبيب أهلاً بك ومرحباً يمكنك الإطلاع أو نسخ الموضوعات دون التسجيل أو إضافة ردود ويسعدنا إنضمامك الينا بتسجيلك بالمنتدي والله المستعان
منتديات مفاتيح الجنة

* إسلامي قائم علي الكتاب والسنة * { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }


تفسير السعدى - الموضوع الرابع عشر

شاطر

ehab
مشرف عام
مشرف عام

الساعة الآن :
ذكر
العمل : محاسب
الهوايات : الكتب الدينية
رقم العضوية : 11
تاريخ التسجيل : 06/09/2007
عدد الرسائل : 818
البلد : المدينة : مصر / القاهرة
علم بلدك :
الاوسمة :
  دعاء :

اعضاء تفسير السعدى - الموضوع الرابع عشر

مُساهمة من طرف ehab في الجمعة يونيو 05, 2009 4:15 pm

الجزء الثانى
تابع تفسير سورة البقرة
الربع الأول - الحزب الرابع - الجزء الثانى



‏[‏203‏]‏ ‏{‏وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏}‏

يأمر تعالى بذكره في الأيام المعدودات‏,‏ وهي أيام التشريق الثلاثة بعد العيد‏,‏ لمزيتها وشرفها‏,‏ وكون بقية أحكام المناسك تفعل بها‏,‏ ولكون الناس أضيافا لله فيها‏,‏ ولهذا حرم صيامها، فللذكر فيها مزية ليست لغيرها‏,‏ ولهذا قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏أيام التشريق‏,‏ أيام أكل وشرب‏,‏ وذكر الله‏)‏

ويدخل في ذكر الله فيها‏,‏ ذكره عند رمي الجمار‏,‏ وعند الذبح‏,‏ والذكر المقيد عقب الفرائض، بل قال بعض العلماء‏:‏ إنه يستحب فيها التكبير المطلق‏,‏ كالعشر‏,‏ وليس ببعيد‏.‏

‏{‏فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ‏}‏ أي‏:‏ خرج من ‏"‏منى‏"‏ ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني ‏{‏فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ‏}‏ بأن بات بها ليلة الثالث ورمى من الغد ‏{‏فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ‏}‏ وهذا تخفيف من الله ‏[‏تعالى‏]‏ على عباده‏,‏ في إباحة كلا الأمرين، ولكن من المعلوم أنه إذا أبيح كلا الأمرين‏,‏ فالمتأخر أفضل‏,‏ لأنه أكثر عبادة‏.‏

ولما كان نفي الحرج قد يفهم منه نفي الحرج في ذلك المذكور وفي غيره‏,‏ والحاصل أن الحرج منفي عن المتقدم، والمتأخر فقط قيده بقوله‏:‏ ‏{‏لِمَنِ اتَّقَى‏}‏ أي‏:‏ اتقى الله في جميع أموره‏,‏ وأحوال الحج، فمن اتقى الله في كل شيء‏,‏ حصل له نفي الحرج في كل شيء، ومن اتقاه في شيء دون شيء‏,‏ كان الجزاء من جنس العمل‏.‏

‏{‏وَاتَّقُوا اللَّهَ‏}‏ بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، ‏{‏وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏}‏ فمجازيكم بأعمالكم، فمن اتقاه‏,‏ وجد جزاء التقوى عنده‏,‏ ومن لم يتقه‏,‏ عاقبه أشد العقوبة، فالعلم بالجزاء من أعظم الدواعي لتقوى الله‏,‏ فلهذا حث تعالى على العلم بذلك‏.‏

‏[‏204 ـ 206‏]‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ‏}‏

لما أمر تعالى بالإكثار من ذكره‏,‏ و خصوصًا في الأوقات الفاضلة الذي هو خير ومصلحة وبر‏,‏ أخبر تعالى بحال من يتكلم بلسانه ويخالف فعله قوله‏,‏ فالكلام إما أن يرفع الإنسان أو يخفضه فقال‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏}‏ أي‏:‏ إذا تكلم راق كلامه للسامع، وإذا نطق‏,‏ ظننته يتكلم بكلام نافع‏,‏ ويؤكد ما يقول بأنه ‏{‏وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ‏}‏ بأن يخبر أن الله يعلم‏,‏ أن ما في قلبه موافق لما نطق به‏,‏ وهو كاذب في ذلك‏,‏ لأنه يخالف قوله فعله‏.‏

فلو كان صادقا‏,‏ لتوافق القول والفعل‏,‏ كحال المؤمن غير المنافق‏,‏ فلهذا قال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ‏}‏ أي‏:‏ إذا خاصمته‏,‏ وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب‏,‏ وما يترتب على ذلك‏,‏ ما هو من مقابح الصفات‏,‏ ليس كأخلاق المؤمنين‏,‏ الذين جعلوا السهولة مركبهم‏,‏ والانقياد للحق وظيفتهم‏,‏ والسماحة سجيتهم‏.‏

‏{‏وَإِذَا تَوَلَّى‏}‏ هذا الذي يعجبك قوله إذا حضر عندك ‏{‏سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا‏}‏ أي‏:‏ يجتهد على أعمال المعاصي‏,‏ التي هي إفساد في الأرض ‏{‏وَيُهْلِكَ‏}‏ بسبب ذلك ‏{‏الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ‏}‏ فالزروع والثمار والمواشي‏,‏ تتلف وتنقص‏,‏ وتقل بركتها‏,‏ بسبب العمل في المعاصي، ‏{‏وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ‏}‏ وإذا كان لا يحب الفساد‏,‏ فهو يبغض العبد المفسد في الأرض‏,‏ غاية البغض‏,‏ وإن قال بلسانه قولًا حسنًا‏.‏

ففي هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص‏,‏ ليست دليلا على صدق ولا كذب‏,‏ ولا بر ولا فجور حتى يوجد العمل المصدق لها‏,‏ المزكي لها وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود‏,‏ والمحق والمبطل من الناس‏,‏ بسبر أعمالهم‏,‏ والنظر لقرائن أحوالهم‏,‏ وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم‏.‏

ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله‏,‏ إذا أمر بتقوى الله تكبر وأنف، و ‏{‏أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ‏}‏ فيجمع بين العمل بالمعاصي والكبر على الناصحين‏.‏

‏{‏فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ‏}‏ التي هي دار العاصين والمتكبرين، ‏{‏وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ‏}‏ أي‏:‏ المستقر والمسكن‏,‏ عذاب دائم‏,‏ وهم لا ينقطع‏,‏ ويأس مستمر‏,‏ لا يخفف عنهم العذاب‏,‏ ولا يرجون الثواب‏,‏ جزاء لجناياتهم ومقابلة لأعمالهم، فعياذا بالله من أحوالهم‏.‏

‏[‏207‏]‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ‏}‏

هؤلاء هم الموفقون الذين باعوا أنفسهم وأرخصوها وبذلوها طلبا لمرضاة الله ورجاء لثوابه، فهم بذلوا الثمن للمليء الوفي الرءوف بالعباد، الذي من رأفته ورحمته أن وفقهم لذلك، وقد وعد الوفاء بذلك، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ‏}‏ إلى آخر الآية‏.‏ وفي هذه الآية أخبر أنهم اشتروا أنفسهم وبذلوها، وأخبر برأفته الموجبة لتحصيل ما طلبوا، وبذل ما به رغبوا، فلا تسأل بعد هذا عن ما يحصل لهم من الكريم، وما ينالهم من الفوز والتكريم



تابع

ehab
مشرف عام
مشرف عام

الساعة الآن :
ذكر
العمل : محاسب
الهوايات : الكتب الدينية
رقم العضوية : 11
تاريخ التسجيل : 06/09/2007
عدد الرسائل : 818
البلد : المدينة : مصر / القاهرة
علم بلدك :
الاوسمة :
  دعاء :

اعضاء رد: تفسير السعدى - الموضوع الرابع عشر

مُساهمة من طرف ehab في الجمعة يونيو 05, 2009 4:15 pm

[‏208 ـ 209‏]‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏

هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين أن يدخلوا ‏{‏فِي السِّلْمِ كَافَّةً‏}‏ أي‏:‏ في جميع شرائع الدين‏,‏ ولا يتركوا منها شيئًا‏,‏ وأن لا يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه‏,‏ إن وافق الأمر المشروع هواه فعله‏,‏ وإن خالفه‏,‏ تركه، بل الواجب أن يكون الهوى‏,‏ تبعا للدين‏,‏ وأن يفعل كل ما يقدر عليه‏,‏ من أفعال الخير‏,‏ وما يعجز عنه‏,‏ يلتزمه وينويه‏,‏ فيدركه بنيته‏.‏

ولما كان الدخول في السلم كافة‏,‏ لا يمكن ولا يتصور إلا بمخالفة طرق الشيطان قال‏:‏ ‏{‏وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ‏}‏ أي‏:‏ في العمل بمعاصي الله ‏{‏إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ‏}‏ والعدو المبين‏,‏ لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء‏,‏ وما به الضرر عليكم‏.‏

ولما كان العبد لا بد أن يقع منه خلل وزلل‏,‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ‏}‏ أي‏:‏ على علم ويقين ‏{‏فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏

وفيه من الوعيد الشديد‏,‏ والتخويف‏,‏ ما يوجب ترك الزلل‏,‏ فإن العزيز القاهر الحكيم‏,‏ إذا عصاه العاصي‏,‏ قهره بقوته‏,‏ وعذبه بمقتضى حكمته فإن من حكمته‏,‏ تعذيب العصاة والجناة‏.‏

‏[‏210‏]‏ ‏{‏هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ‏}‏

وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما تنخلع له القلوب، يقول تعالى‏:‏ هل ينتظر الساعون في الفساد في الأرض‏,‏ المتبعون لخطوات الشيطان‏,‏ النابذون لأمر الله إلا يوم الجزاء بالأعمال‏,‏ الذي قد حشي من الأهوال والشدائد والفظائع‏,‏ ما يقلقل قلوب الظالمين‏,‏ ويحق به الجزاء السيئ على المفسدين‏.‏

وذلك أن الله تعالى يطوي السموات والأرض‏,‏ وتنثر الكواكب‏,‏ وتكور الشمس والقمر‏,‏ وتنزل الملائكة الكرام‏,‏ فتحيط بالخلائق‏,‏ وينزل الباري ‏[‏تبارك‏]‏ تعالى‏:‏ ‏{‏فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ‏}‏ ليفصل بين عباده بالقضاء العدل‏.‏

فتوضع الموازين‏,‏ وتنشر الدواوين‏,‏ وتبيض وجوه أهل السعادة وتسود وجوه أهل الشقاوة‏,‏ ويتميز أهل الخير من أهل الشر، وكل يجازى بعمله، فهنالك يعض الظالم على يديه إذا علم حقيقة ما هو عليه‏.‏

وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة‏,‏ المثبتين للصفات الاختيارية‏,‏ كالاستواء‏,‏ والنزول‏,‏ والمجيء‏,‏ ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى‏,‏ عن نفسه‏,‏ أو أخبر بها عنه رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته‏,‏ من غير تشبيه ولا تحريف، خلافا للمعطلة على اختلاف أنواعهم‏,‏ من الجهمية‏,‏ والمعتزلة‏,‏ والأشعرية ونحوهم‏,‏ ممن ينفي هذه الصفات‏,‏ ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان‏,‏ بل حقيقتها القدح في بيان الله وبيان رسوله‏,‏ والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب، فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي‏,‏ بل ولا دليل عقلي، أما النقلي فقد اعترفوا أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة‏,‏ ظاهرها بل صريحها‏,‏ دال على مذهب أهل السنة والجماعة‏,‏ وأنها تحتاج لدلالتها على مذهبهم الباطل‏,‏ أن تخرج عن ظاهرها ويزاد فيها وينقص، وهذا كما ترى لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان‏.‏

وأما العقل فليس في العقل ما يدل على نفي هذه الصفات، بل العقل دل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل‏,‏ وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه هو كمال، فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه، قيل لهم‏:‏ الكلام على الصفات‏,‏ يتبع الكلام على الذات، فكما أن لله ذاتا لا تشبهها الذوات‏,‏ فلله صفات لا تشبهها الصفات، فصفاته تبع لذاته‏,‏ وصفات خلقه‏,‏ تبع لذواتهم‏,‏ فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه‏.‏

ويقال أيضًا‏,‏ لمن أثبت بعض الصفات‏,‏ ونفى بعضًا‏,‏ أو أثبت الأسماء دون الصفات‏:‏ إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه‏,‏ وأثبته رسوله، وإما أن تنفي الجميع‏,‏ وتكون منكرا لرب العالمين، وأما إثباتك بعض ذلك‏,‏ ونفيك لبعضه‏,‏ فهذا تناقض، ففرق بين ما أثبته‏,‏ وما نفيته‏,‏ ولن تجد إلى الفرق سبيلا، فإن قلت‏:‏ ما أثبته لا يقتضي تشبيها، قال لك أهل السنة‏:‏ والإثبات لما نفيته لا يقتضي تشبيها، فإن قلت‏:‏ لا أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه، قال لك النفاة‏:‏ ونحن لا نعقل من الذي أثبته إلا التشبيه، فما أجبت به النفاة‏,‏ أجابك به أهل السنة‏,‏ لما نفيته‏.‏

والحاصل أن من نفى شيئًا وأثبت شيئًا مما دل الكتاب والسنة على إثباته‏,‏ فهو متناقض‏,‏ لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي‏,‏ بل قد خالف المعقول والمنقول‏.‏

‏[‏216‏]‏ ‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شيئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ‏}‏

هذه الآية‏,‏ فيها فرض القتال في سبيل الله‏,‏ بعد ما كان المؤمنون مأمورين بتركه‏,‏ لضعفهم‏,‏ وعدم احتمالهم لذلك، فلما هاجر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة‏,‏ وكثر المسلمون‏,‏ وقووا أمرهم الله تعالى بالقتال، وأخبر أنه مكروه للنفوس‏,‏ لما فيه من التعب والمشقة‏,‏ وحصول أنواع المخاوف والتعرض للمتالف، ومع هذا‏,‏ فهو خير محض‏,‏ لما فيه من الثواب العظيم‏,‏ والتحرز من العقاب الأليم‏,‏ والنصر على الأعداء والظفر بالغنائم‏,‏ وغير ذلك‏,‏ مما هو مرب‏,‏ على ما فيه من الكراهة ‏{‏وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ‏}‏ وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة‏,‏ فإنه شر‏,‏ لأنه يعقب الخذلان‏,‏ وتسلط الأعداء على الإسلام وأهله‏,‏ وحصول الذل والهوان‏,‏ وفوات الأجر العظيم وحصول العقاب‏.‏

وهذه الآيات عامة مطردة‏,‏ في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة أنها خير بلا شك، وأن أفعال الشر التي تحب النفوس لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة فهي شر بلا شك‏.‏

وأما أحوال الدنيا‏,‏ فليس الأمر مطردًا‏,‏ ولكن الغالب على العبد المؤمن‏,‏ أنه إذا أحب أمرا من الأمور‏,‏ فقيض الله ‏[‏له‏]‏ من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير له‏,‏ فالأوفق له في ذلك‏,‏ أن يشكر الله‏,‏ ويجعل الخير في الواقع‏,‏ لأنه يعلم أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه‏,‏ وأقدر على مصلحة عبده منه‏,‏ وأعلم بمصلحته منه كما قال ‏[‏تعالى‏:‏‏]‏ ‏{‏وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ‏}‏ فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره‏,‏ سواء سرتكم أو ساءتكم‏.‏

ولما كان الأمر بالقتال‏,‏ لو لم يقيد‏,‏ لشمل الأشهر الحرم وغيرها‏,‏ استثنى تعالى‏,‏ القتال في الأشهر الحرم فقال‏:‏

‏[‏217‏]‏ ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏

الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم‏,‏ منسوخ بالأمر بقتال المشركين حيثما وجدوا، وقال بعض المفسرين‏:‏ إنه لم ينسخ‏,‏ لأن المطلق محمول على المقيد، وهذه الآية مقيدة لعموم الأمر بالقتال مطلقا؛ ولأن من جملة مزية الأشهر الحرم، بل أكبر مزاياها‏,‏ تحريم القتال فيها‏,‏ وهذا إنما هو في قتال الابتداء، وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم‏,‏ كما يجوز في البلد الحرام‏.‏

ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل‏,‏ لسرية عبد الله بن جحش‏,‏ وقتلهم عمرو بن الحضرمي‏,‏ وأخذهم أموالهم‏,‏ وكان ذلك ـ على ما قيل ـ في شهر رجب، عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم‏,‏ وكانوا في تعييرهم ظالمين‏,‏ إذ فيهم من القبائح ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين‏,‏ قال تعالى في بيان ما فيهم‏:‏ ‏{‏وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ صد المشركين من يريد الإيمان بالله وبرسوله‏,‏ وفتنتهم من آمن به‏,‏ وسعيهم في ردهم عن دينهم‏,‏ وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام‏,‏ والبلد الحرام‏,‏ الذي هو بمجرده‏,‏ كاف في الشر، فكيف وقد كان في شهر حرام وبلد حرام‏؟‏‏!‏ ‏{‏وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ‏}‏ أي‏:‏ أهل المسجد الحرام‏,‏ وهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه‏,‏ لأنهم أحق به من المشركين‏,‏ وهم عماره على الحقيقة‏,‏ فأخرجوهم ‏{‏مِنْهُ‏}‏ ولم يمكنوهم من الوصول إليه‏,‏ مع أن هذا البيت سواء العاكف فيه والباد، فهذه الأمور كل واحد منها ‏{‏أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ‏}‏ في الشهر الحرام‏,‏ فكيف وقد اجتمعت فيهم‏؟‏‏!‏ فعلم أنهم فسقة ظلمة‏,‏ في تعييرهم المؤمنين‏.‏

ثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم‏,‏ وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم‏,‏ ويكونوا كفارا بعد إيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير، فهم باذلون قدرتهم في ذلك‏,‏ ساعون بما أمكنهم‏,‏ ‏{‏ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون‏}‏

وهذا الوصف عام لكل الكفار‏,‏ لا يزالون يقاتلون غيرهم‏,‏ حتى يردوهم عن دينهم، و خصوصًا‏,‏ أهل الكتاب‏,‏ من اليهود والنصارى‏,‏ الذين بذلوا الجمعيات‏,‏ ونشروا الدعاة‏,‏ وبثوا الأطباء‏,‏ وبنوا المدارس‏,‏ لجذب الأمم إلى دينهم‏,‏ وتدخيلهم عليهم‏,‏ كل ما يمكنهم من الشبه‏,‏ التي تشككهم في دينهم‏.‏

ولكن المرجو من الله تعالى‏,‏ الذي مَنّ على المؤمنين بالإسلام‏,‏ واختار لهم دينه القيم‏,‏ وأكمل لهم دينه، أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم القيام‏,‏ وأن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره‏,‏ ويجعل كيدهم في نحورهم‏,‏ وينصر دينه‏,‏ ويعلي كلمته‏.‏

وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار‏,‏ كما صدقت على من قبلهم‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ‏}‏

ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام‏,‏ بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافرا، ‏{‏فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ‏}‏ لعدم وجود شرطها وهو الإسلام، ‏{‏وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏

ودلت الآية بمفهومها‏,‏ أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام‏,‏ أنه يرجع إليه عمله الذي قبل ردته، وكذلك من تاب من المعاصي‏,‏ فإنها تعود إليه أعماله المتقدمة‏.‏

‏[‏218‏]‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏

هذه الأعمال الثلاثة‏,‏ هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية‏,‏ وبها يعرف ما مع الإنسان‏,‏ من الربح والخسران، فأما الإيمان‏,‏ فلا تسأل عن فضيلته‏,‏ وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة‏,‏ وأهل الجنة من أهل النار‏؟‏ وهو الذي إذا كان مع العبد‏,‏ قبلت أعمال الخير منه‏,‏ وإذا عدم منه لم يقبل له صرف ولا عدل‏,‏ ولا فرض‏,‏ ولا نفل‏.‏

وأما الهجرة‏:‏ فهي مفارقة المحبوب المألوف‏,‏ لرضا الله تعالى، فيترك المهاجر وطنه وأمواله‏,‏ وأهله‏,‏ وخلانه‏,‏ تقربا إلى الله ونصرة لدينه‏.‏

وأما الجهاد‏:‏ فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء‏,‏ والسعي التام في نصرة دين الله‏,‏ وقمع دين الشيطان، وهو ذروة الأعمال الصالحة‏,‏ وجزاؤه‏,‏ أفضل الجزاء، وهو السبب الأكبر‏,‏ لتوسيع دائرة الإسلام وخذلان عباد الأصنام‏,‏ وأمن المسلمين على أنفسهم وأموالهم وأولادهم‏.‏

فمن قام بهذه الأعمال الثلاثة على لأوائها ومشقتها كان لغيرها أشد قياما به وتكميلًا‏.‏

فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله‏,‏ لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة، وفي هذا دليل على أن الرجاء لا يكون إلا بعد القيام بأسباب السعادة، وأما الرجاء المقارن للكسل‏,‏ وعدم القيام بالأسباب‏,‏ فهذا عجز وتمن وغرور، وهو دال على ضعف همة صاحبه‏,‏ ونقص عقله‏,‏ بمنزلة من يرجو وجود ولد بلا نكاح‏,‏ ووجود الغلة بلا بذر‏,‏ وسقي‏,‏ ونحو ذلك‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ‏}‏ إشارة إلى أن العبد ولو أتى من الأعمال بما أتى به لا ينبغي له أن يعتمد عليها‏,‏ ويعول عليها‏,‏ بل يرجو رحمة ربه‏,‏ ويرجو قبول أعماله ومغفرة ذنوبه‏,‏ وستر عيوبه‏.‏

ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ غَفُورٌ‏}‏ أي‏:‏ لمن تاب توبة نصوحا ‏{‏رَحِيمٌ‏}‏ وسعت رحمته كل شيء‏,‏ وعم جوده وإحسانه كل حي‏.‏

وفي هذا دليل على أن من قام بهذه الأعمال المذكورة‏,‏ حصل له مغفرة الله‏,‏ إذ الحسنات يذهبن السيئات وحصلت له رحمة الله‏.‏

وإذا حصلت له المغفرة‏,‏ اندفعت عنه عقوبات الدنيا والآخرة، التي هي آثار الذنوب‏,‏ التي قد غفرت واضمحلت آثارها، وإذا حصلت له الرحمة‏,‏ حصل على كل خير في الدنيا والآخرة؛ بل أعمالهم المذكورة من رحمة الله بهم‏,‏ فلولا توفيقه إياهم‏,‏ لم يريدوها‏,‏ ولولا إقدارهم عليها‏,‏ لم يقدروا عليها‏,‏ ولولا إحسانه لم يتمها ويقبلها منهم، فله الفضل أولا وآخرا‏,‏ وهو الذي منّ بالسبب والمسبب‏.‏

    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء سبتمبر 20, 2017 6:03 am