منتديات مفاتيح الجنة

زائرنا الحبيب أهلاً بك ومرحباً يمكنك الإطلاع أو نسخ الموضوعات دون التسجيل أو إضافة ردود ويسعدنا إنضمامك الينا بتسجيلك بالمنتدي والله المستعان
منتديات مفاتيح الجنة

* إسلامي قائم علي الكتاب والسنة * { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }


تفسير السعدى - الجزء الخامس عشر

شاطر

ehab
مشرف عام
مشرف عام

الساعة الآن :
ذكر
العمل : محاسب
الهوايات : الكتب الدينية
رقم العضوية : 11
تاريخ التسجيل : 06/09/2007
عدد الرسائل : 818
البلد : المدينة : مصر / القاهرة
علم بلدك :
الاوسمة :
  دعاء :

اعضاء تفسير السعدى - الجزء الخامس عشر

مُساهمة من طرف ehab في الجمعة يونيو 05, 2009 4:19 pm

الجزء الثانى
تابع تفسير سورة البقرة
الربع الثانى - الحزب الرابع - الجزء الثانى



‏[‏219 ـ 220‏]‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ *

فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏

أي‏:‏ يسألك ـ يا أيها الرسول ـ المؤمنون عن أحكام الخمر والميسر‏,‏ وقد كانا مستعملين في الجاهلية وأول الإسلام‏,‏ فكأنه وقع فيهما إشكال، فلهذا سألوا عن حكمهما، فأمر الله تعالى نبيه‏,‏ أن يبين لهم منافعهما ومضارهما‏,‏ ليكون ذلك مقدمة لتحريمهما‏,‏ وتحتيم تركهما‏.‏

فأخبر أن إثمهما ومضارهما‏,‏ وما يصدر منهما من ذهاب العقل والمال‏,‏ والصد عن ذكر الله‏,‏ وعن الصلاة‏,‏ والعداوة‏,‏ والبغضاء ـ أكبر مما يظنونه من نفعهما‏,‏ من كسب المال بالتجارة بالخمر‏,‏ وتحصيله بالقمار والطرب للنفوس‏,‏ عند تعاطيهما، وكان هذا البيان زاجرا للنفوس عنهما‏,‏ لأن العاقل يرجح ما ترجحت مصلحته‏,‏ ويجتنب ما ترجحت مضرته، ولكن لما كانوا قد ألفوهما‏,‏ وصعب التحتيم بتركهما أول وهلة‏,‏ قدم هذه الآية‏,‏ مقدمة للتحريم‏,‏ الذي ذكره في قوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏مُنْتَهُونَ‏}‏ وهذا من لطفه ورحمته وحكمته، ولهذا لما نزلت‏,‏ قال عمر رضي الله عنه‏:‏ انتهينا انتهينا‏.‏

فأما الخمر‏:‏ فهو كل مسكر خامر العقل وغطاه‏,‏ من أي نوع كان، وأما الميسر‏:‏ فهو كل المغالبات التي يكون فيها عوض من الطرفين‏,‏ من النرد‏,‏ والشطرنج‏,‏ وكل مغالبة قولية أو فعلية‏,‏ بعوض سوى مسابقة الخيل‏,‏ والإبل‏,‏ والسهام‏,‏ فإنها مباحة‏,‏ لكونها معينة على الجهاد‏,‏ فلهذا رخص فيها الشارع‏.‏

‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ‏}‏

وهذا سؤال عن مقدار ما ينفقونه من أموالهم، فيسر الله لهم الأمر‏,‏ وأمرهم أن ينفقوا العفو‏,‏ وهو المتيسر من أموالهم‏,‏ الذي لا تتعلق به حاجتهم وضرورتهم، وهذا يرجع إلى كل أحد بحسبه‏,‏ من غني وفقير ومتوسط‏,‏ كل له قدرة على إنفاق ما عفا من ماله‏,‏ ولو شق تمرة‏.‏

ولهذا أمر الله رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس وصدقاتهم‏,‏ ولا يكلفهم ما يشق عليهم‏.‏ ذلك بأن الله تعالى لم يأمرنا بما أمرنا به حاجة منه لنا‏,‏ أو تكليفا لنا ‏[‏بما يشق‏]‏ بل أمرنا بما فيه سعادتنا‏,‏ وما يسهل علينا‏,‏ وما به النفع لنا ولإخواننا فيستحق على ذلك أتم الحمد‏.‏

ولما بيّن تعالى هذا البيان الشافي‏,‏ وأطلع العباد على أسرار شرعه قال‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ‏}‏ أي‏:‏ الدالات على الحق‏,‏ المحصلات للعلم النافع والفرقان، ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ‏}‏ أي‏:‏ لكي تستعملوا أفكاركم في أسرار شرعه‏,‏ وتعرفوا أن أوامره‏,‏ فيها مصالح الدنيا والآخرة، وأيضًا لكي تتفكروا في الدنيا وسرعة انقضائها‏,‏ فترفضوها وفي الآخرة وبقائها‏,‏ وأنها دار الجزاء فتعمروها‏.‏

‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏

لما نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا‏}‏ شق ذلك على المسلمين‏,‏ وعزلوا طعامهم عن طعام اليتامى‏,‏ خوفا على أنفسهم من تناولها‏,‏ ولو في هذه الحالة التي جرت العادة بالمشاركة فيها‏,‏ وسألوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك، فأخبرهم تعالى أن المقصود‏,‏ إصلاح أموال اليتامى‏,‏ بحفظها وصيانتها‏,‏ والاتجار فيها وأن خلطتهم إياهم في طعام أو غيره جائز على وجه لا يضر باليتامى‏,‏ لأنهم إخوانكم‏,‏ ومن شأن الأخ مخالطة أخيه‏,‏ والمرجع في ذلك إلى النية والعمل، فمن علم الله من نيته أنه مصلح لليتيم‏,‏ وليس له طمع في ماله‏,‏ فلو دخل عليه شيء من غير قصد لم يكن عليه بأس، ومن علم الله من نيته‏,‏ أن قصده بالمخالطة‏,‏ التوصل إلى أكلها وتناولها‏,‏ فذلك الذي حرج وأثم‏,‏ و‏"‏الوسائل لها أحكام المقاصد‏"‏

وفي هذه الآية‏,‏ دليل على جواز أنواع المخالطات‏,‏ في المآكل والمشارب‏,‏ والعقود وغيرها‏,‏ وهذه الرخصة‏,‏ لطف من الله ‏[‏تعالى‏]‏ وإحسان‏,‏ وتوسعة على المؤمنين، وإلا فـ ‏{‏لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ شق عليكم بعدم الرخصة بذلك‏,‏ فحرجتم‏.‏ وشق عليكم وأثمتم، ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ‏}‏ أي‏:‏ له القوة الكاملة‏,‏ والقهر لكل شيء، ولكنه مع ذلك ‏{‏حَكِيمٌ‏}‏ لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته الكاملة وعنايته التامة‏,‏ فعزته لا تنافي حكمته، فلا يقال‏:‏ إنه ما شاء فعل‏,‏ وافق الحكمة أو خالفها، بل يقال‏:‏ إن أفعاله وكذلك أحكامه‏,‏ تابعة لحكمته‏,‏ فلا يخلق شيئًا عبثا‏,‏ بل لا بد له من حكمة‏,‏ عرفناها‏,‏ أم لم نعرفها وكذلك لم يشرع لعباده شيئًا مجردا عن الحكمة، فلا يأمر إلا بما فيه مصلحة خالصة‏,‏ أو راجحة‏,‏ ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة خالصة أو راجحة‏,‏ لتمام حكمته ورحمته‏.‏

‏[‏221‏]‏ ‏{‏وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏}‏

أي‏:‏ ‏{‏وَلَا تَنْكِحُوا‏}‏ النساء ‏{‏الْمُشْرِكَاتِ‏}‏ ما دمن على شركهن ‏{‏حَتَّى يُؤْمِنَّ‏}‏ لأن المؤمنة ولو بلغت من الدمامة ما بلغت خير من المشركة‏,‏ ولو بلغت من الحسن ما بلغت‏,‏ وهذه عامة في جميع النساء المشركات، وخصصتها آية المائدة‏,‏ في إباحة نساء أهل الكتاب كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ‏}‏

‏{‏وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا‏}‏ وهذا عام لا تخصيص فيه‏.‏

ثم ذكر تعالى‏,‏ الحكمة في تحريم نكاح المسلم أو المسلمة‏,‏ لمن خالفهما في الدين فقال‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ‏}‏ أي‏:‏ في أقوالهم أو أفعالهم وأحوالهم‏,‏ فمخالطتهم على خطر منهم‏,‏ والخطر ليس من الأخطار الدنيوية‏,‏ إنما هو الشقاء الأبدي‏.‏

ويستفاد من تعليل الآية‏,‏ النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع‏,‏ لأنه إذا لم يجز التزوج مع أن فيه مصالح كثيرة فالخلطة المجردة من باب أولى‏,‏ و خصوصًا‏,‏ الخلطة التي فيها ارتفاع المشرك ونحوه على المسلم‏,‏ كالخدمة ونحوها‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ‏}‏ دليل على اعتبار الولي ‏[‏في النكاح‏]‏‏.‏

‏{‏وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ‏}‏ أي‏:‏ يدعو عباده لتحصيل الجنة والمغفرة‏,‏ التي من آثارها‏,‏ دفع العقوبات وذلك بالدعوة إلى أسبابها من الأعمال الصالحة‏,‏ والتوبة النصوح‏,‏ والعلم النافع‏,‏ والعمل الصالح‏.‏

‏{‏وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ‏}‏ أي‏:‏ أحكامه وحكمها ‏{‏لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏}‏ فيوجب لهم ذلك التذكر لما نسوه‏,‏ وعلم ما جهلوه‏,‏ والامتثال لما ضيعوه‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏

‏[‏222 ـ 223‏]‏ ‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏

يخبر تعالى عن سؤالهم عن المحيض‏,‏ وهل تكون المرأة بحالها بعد الحيض‏,‏ كما كانت قبل ذلك‏,‏ أم تجتنب مطلقا كما يفعله اليهود‏؟‏‏.‏

فأخبر تعالى أن الحيض أذى‏,‏ وإذا كان أذى‏,‏ فمن الحكمة أن يمنع الله تعالى عباده عن الأذى وحده‏,‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ‏}‏ أي‏:‏ مكان الحيض‏,‏ وهو الوطء في الفرج خاصة‏,‏ فهذا هو المحرم إجماعا، وتخصيص الاعتزال في المحيض‏,‏ يدل على أن مباشرة الحائض وملامستها‏,‏ في غير الوطء في الفرج جائز‏.‏

لكن قوله‏:‏ ‏{‏وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ‏}‏ يدل على أن المباشرة فيما قرب من الفرج‏,‏ وذلك فيما بين السرة والركبة‏,‏ ينبغي تركه كما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أراد أن يباشر امرأته وهي حائض‏,‏ أمرها أن تتزر‏,‏ فيباشرها‏.‏

وحد هذا الاعتزال وعدم القربان للحُيَّض ‏{‏حَتَّى يَطْهُرْنَ‏}‏ أي‏:‏ ينقطع دمهن‏,‏ فإذا انقطع الدم‏,‏ زال المنع الموجود وقت جريانه‏,‏ الذي كان لحله شرطان‏,‏ انقطاع الدم‏,‏ والاغتسال منه‏.‏

فلما انقطع الدم‏,‏ زال الشرط الأول وبقي الثاني‏,‏ فلهذا قال‏:‏ ‏{‏فَإِذَا تَطَهَّرْنَ‏}‏ أي‏:‏ اغتسلن ‏{‏فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ‏}‏ أي‏:‏ في القبل لا في الدبر‏,‏ لأنه محل الحرث‏.‏

وفيه دليل على وجوب الاغتسال للحائض‏,‏ وأن انقطاع الدم‏,‏ شرط لصحته‏.‏

ولما كان هذا المنع لطفا منه تعالى بعباده‏,‏ وصيانة عن الأذى قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ‏}‏ أي‏:‏ من ذنوبهم على الدوام ‏{‏وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏}‏ أي‏:‏ المتنزهين عن الآثام وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس والأحداث‏.‏

ففيه مشروعية الطهارة مطلقا‏,‏ لأن الله يحب المتصف بها‏,‏ ولهذا كانت الطهارة مطلقا‏,‏ شرطا لصحة الصلاة والطواف‏,‏ وجواز مس المصحف، ويشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة‏,‏ والصفات القبيحة‏,‏ والأفعال الخسيسة‏.‏

‏{‏نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ‏}‏ مقبلة ومدبرة غير أنه لا يكون إلا في القبل‏,‏ لكونه موضع الحرث‏,‏ وهو الموضع الذي يكون منه الولد‏.‏

وفيه دليل على تحريم الوطء في الدبر‏,‏ لأن الله لم يبح إتيان المرأة إلا في الموضع الذي منه الحرث، وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تحريم ذلك‏,‏ ولعن فاعله‏.‏

‏{‏وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ من التقرب إلى الله بفعل الخيرات‏,‏ ومن ذلك أن يباشر الرجل امرأته‏,‏ ويجامعها على وجه القربة والاحتساب‏,‏ وعلى رجاء تحصيل الذرية الذين ينفع الله بهم‏.‏

‏{‏وَاتَّقُوا اللَّهَ‏}‏ أي‏:‏ في جميع أحوالكم‏,‏ كونوا ملازمين لتقوى الله‏,‏ مستعينين بذلك لعلمكم، ‏{‏أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ‏}‏ ومجازيكم على أعمالكم الصالحة وغيرها‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ لم يذكر المبشر به ليدل على العموم‏,‏ وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وكل خير واندفاع كل ضير‏,‏ رتب على الإيمان فهو داخل في هذه البشارة‏.‏

وفيها محبة الله للمؤمنين‏,‏ ومحبة ما يسرهم‏,‏ واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي‏.‏

ehab
مشرف عام
مشرف عام

الساعة الآن :
ذكر
العمل : محاسب
الهوايات : الكتب الدينية
رقم العضوية : 11
تاريخ التسجيل : 06/09/2007
عدد الرسائل : 818
البلد : المدينة : مصر / القاهرة
علم بلدك :
الاوسمة :
  دعاء :

اعضاء رد: تفسير السعدى - الجزء الخامس عشر

مُساهمة من طرف ehab في الجمعة يونيو 05, 2009 4:21 pm

‏[‏224‏]‏ ‏{‏وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏

المقصود من اليمين، والقسم تعظيم المقسم به‏,‏ وتأكيد المقسم عليه، وكان الله تعالى قد أمر بحفظ الأيمان‏,‏ وكان مقتضى ذلك حفظها في كل شيء، ولكن الله تعالى استثنى من ذلك إذا كان البر باليمين‏,‏ يتضمن ترك ما هو أحب إليه، فنهى عباده أن يجعلوا أيمانهم عرضة‏,‏ أي‏:‏ مانعة وحائلة عن أن يبروا‏:‏ أن يفعلوا خيرا‏,‏ أو يتقوا شرا‏,‏ أو يصلحوا بين الناس، فمن حلف على ترك واجب وجب حنثه‏,‏ وحرم إقامته على يمينه، ومن حلف على ترك مستحب‏,‏ استحب له الحنث، ومن حلف على فعل محرم‏,‏ وجب الحنث‏,‏ أو على فعل مكروه استحب الحنث، وأما المباح فينبغي فيه حفظ اليمين عن الحنث‏.‏

ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة‏,‏ أنه ‏"‏إذا تزاحمت المصالح‏,‏ قدم أهمها‏"‏ فهنا تتميم اليمين مصلحة‏,‏ وامتثال أوامر الله في هذه الأشياء‏,‏ مصلحة أكبر من ذلك‏,‏ فقدمت لذلك‏.‏

ثم ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين فقال‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ سَمِيعٌ‏}‏ أي‏:‏ لجميع الأصوات ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ بالمقاصد والنيات‏,‏ ومنه سماعه لأقوال الحالفين‏,‏ وعلمه بمقاصدهم هل هي خير أم شر، وفي ضمن ذلك التحذير من مجازاته‏,‏ وأن أعمالكم ونياتكم‏,‏ قد استقر علمها عنده‏.‏

‏[‏225‏]‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ‏}‏

أي‏:‏ لا يؤاخذكم بما يجري على ألسنتكم من الأيمان اللاغية‏,‏ التي يتكلم بها العبد‏,‏ من غير قصد منه ولا كسب قلب‏,‏ ولكنها جرت على لسانه كقول الرجل في عرض كلامه‏:‏ ‏"‏لا والله‏"‏ و‏"‏بلى والله‏"‏ وكحلفه على أمر ماض‏,‏ يظن صدق نفسه، وإنما المؤاخذة على ما قصده القلب‏.‏

وفي هذا دليل على اعتبار المقاصد في الأقوال‏,‏ كما هي معتبرة في الأفعال‏.‏

‏{‏والله غفور‏}‏ لمن تاب إليه‏,‏ ‏{‏حليم‏}‏ بمن عصاه‏,‏ حيث لم يعاجله بالعقوبة‏,‏ بل حلم عنه وستر‏,‏ وصفح مع قدرته عليه‏,‏ وكونه بين يديه‏.‏

‏[‏226 ـ 227‏]‏ ‏{‏لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏

وهذا من الأيمان الخاصة بالزوجة‏,‏ في أمر خاص وهو حلف الزوج على ترك وطء زوجته مطلقا، أو مقيدا، بأقل من أربعة أشهر أو أكثر‏.‏

فمن آلى من زوجته خاصة، فإن كان لدون أربعة أشهر‏,‏ فهذا مثل سائر الأيمان‏,‏ إن حنث كفر‏,‏ وإن أتم يمينه‏,‏ فلا شيء عليه‏,‏ وليس لزوجته عليه سبيل‏,‏ لأنه ملكه أربعة أشهر‏.‏

وإن كان أبدًا‏,‏ أو مدة تزيد على أربعة أشهر‏,‏ ضربت له مدة أربعة أشهر من يمينه‏,‏ إذا طلبت زوجته ذلك‏,‏ لأنه حق لها، فإذا تمت أمر بالفيئة وهو الوطء، فإن وطئ‏,‏ فلا شيء عليه إلا كفارة اليمين، وإن امتنع‏,‏ أجبر على الطلاق‏,‏ فإن امتنع‏,‏ طلق عليه الحاكم‏.‏



ولكن الفيئة والرجوع إلى زوجته‏,‏ أحب إلى الله تعالى‏,‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَإِنْ فَاءُوا‏}‏ أي‏:‏ رجعوا إلى ما حلفوا على تركه‏,‏ وهو الوطء‏.‏ ‏{‏فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ‏}‏ يغفر لهم ما حصل منهم من الحلف‏,‏ بسبب رجوعهم‏.‏ ‏{‏رَحِيمٌ‏}‏ حيث جعل لأيمانهم كفارة وتحلة‏,‏ ولم يجعلها لازمة لهم غير قابلة للانفكاك‏,‏ ورحيم بهم أيضًا‏,‏ حيث فاءوا إلى زوجاتهم‏,‏ وحنوا عليهن ورحموهن‏.‏

‏{‏وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ‏}‏ أي‏:‏ امتنعوا من الفيئة‏,‏ فكان ذلك دليلا على رغبتهم عنهن‏,‏ وعدم إرادتهم لأزواجهم‏,‏ وهذا لا يكون إلا عزما على الطلاق، فإن حصل هذا الحق الواجب منه مباشرة‏,‏ وإلا أجبره الحاكم عليه أو قام به‏.‏

‏{‏فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏ فيه وعيد وتهديد‏,‏ لمن يحلف هذا الحلف‏,‏ ويقصد بذلك المضارة والمشاقة‏.‏

ويستدل بهذه الآية على أن الإيلاء‏,‏ خاص بالزوجة‏,‏ لقوله‏:‏ ‏{‏من نسائهم‏}‏ وعلى وجوب الوطء في كل أربعة أشهر مرة‏,‏ لأنه بعد الأربعة‏,‏ يجبر إما على الوطء‏,‏ أو على الطلاق‏,‏ ولا يكون ذلك إلا لتركه واجبًا‏.‏

‏[‏228‏]‏ ‏{‏وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏

أي‏:‏ النساء اللاتي طلقهن أزواجهن ‏{‏يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ‏}‏ أي‏:‏ ينتظرن ويعتددن مدة ‏{‏ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ‏}‏ أي‏:‏ حيض‏,‏ أو أطهار على اختلاف العلماء في المراد بذلك‏,‏ مع أن الصحيح أن القرء‏,‏ الحيض‏,‏ ولهذه العدةِ عِدّةُ حِكَمٍ، منها‏:‏ العلم ببراءة الرحم‏,‏ إذا تكررت عليها ثلاثة الأقراء‏,‏ علم أنه ليس في رحمها حمل‏,‏ فلا يفضي إلى اختلاط الأنساب، ولهذا أوجب تعالى عليهن الإخبار عن ‏{‏مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ‏}‏ وحرم عليهن‏,‏ كتمان ذلك‏,‏ من حمل أو حيض‏,‏ لأن كتمان ذلك‏,‏ يفضي إلى مفاسد كثيرة، فكتمان الحمل‏,‏ موجب أن تلحقه بغير من هو له‏,‏ رغبة فيه واستعجالا لانقضاء العدة، فإذا ألحقته بغير أبيه‏,‏ حصل من قطع الرحم والإرث‏,‏ واحتجاب محارمه وأقاربه عنه‏,‏ وربما تزوج ذوات محارمه، وحصل في مقابلة ذلك‏,‏ إلحاقه بغير أبيه‏,‏ وثبوت توابع ذلك‏,‏ من الإرث منه وله‏,‏ ومن جعل أقارب الملحق به‏,‏ أقارب له، وفي ذلك من الشر والفساد‏,‏ ما لا يعلمه إلا رب العباد، ولو لم يكن في ذلك‏,‏ إلا إقامتها مع من نكاحها باطل في حقه‏,‏ وفيه الإصرار على الكبيرة العظيمة‏,‏ وهي الزنا لكفى بذلك شرًا‏.‏

وأما كتمان الحيض‏,‏ بأن استعجلت وأخبرت به وهي كاذبة‏,‏ ففيه من انقطاع حق الزوج عنها‏,‏ وإباحتها لغيره وما يتفرع عن ذلك من الشر‏,‏ كما ذكرنا، وإن كذبت وأخبرت بعدم وجود الحيض‏,‏ لتطول العدة‏,‏ فتأخذ منه نفقة غير واجبة عليه‏,‏ بل هي سحت عليها محرمة من جهتين‏:‏

من كونها لا تستحقه‏,‏ ومن كونها نسبته إلى حكم الشرع وهي كاذبة‏,‏ وربما راجعها بعد انقضاء العدة‏,‏ فيكون ذلك سفاحًا‏,‏ لكونها أجنبية عنه‏,‏ فلهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ‏}‏

فصدور الكتمان منهن دليل على عدم إيمانهن بالله واليوم الآخر‏,‏ وإلا فلو آمن بالله واليوم الآخر‏,‏ وعرفن أنهن مجزيات عن أعمالهن‏,‏ لم يصدر منهن شيء من ذلك‏.‏

وفي ذلك دليل على قبول خبر المرأة‏,‏ عما تخبر به عن نفسها‏,‏ من الأمر الذي لا يطلع عليه غيرها‏,‏ كالحيض والحمل ونحوه

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ لأزواجهن ما دامت متربصة في تلك العدة‏,‏ أن يردوهن إلى نكاحهن ‏{‏إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا‏}‏ أي‏:‏ رغبة وألفة ومودة‏.‏

ومفهوم الآية أنهم إن لم يريدوا الإصلاح‏,‏ فليسوا بأحق بردهن‏,‏ فلا يحل لهم أن يراجعوهن‏,‏ لقصد المضارة لها‏,‏ وتطويل العدة عليها، وهل يملك ذلك‏,‏ مع هذا القصد‏؟‏ فيه قولان‏.‏

الجمهور على أنه يملك ذلك‏,‏ مع التحريم‏,‏ والصحيح أنه إذا لم يرد الإصلاح‏,‏ لا يملك ذلك‏,‏ كما هو ظاهر الآية الكريمة‏,‏ وهذه حكمة أخرى في هذا التربص، وهي‏:‏ أنه ربما أن زوجها ندم على فراقه لها‏,‏ فجعلت له هذه المدة‏,‏ ليتروى بها ويقطع نظره‏.‏

وهذا يدل على محبته تعالى‏,‏ للألفة بين الزوجين‏,‏ وكراهته للفراق‏,‏ كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏أبغض الحلال إلى الله الطلاق‏)‏ وهذا خاص في الطلاق الرجعي، وأما الطلاق البائن‏,‏ فليس البعل بأحق برجعتها، بل إن تراضيا على التراجع‏,‏ فلا بد من عقد جديد مجتمع الشروط‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ‏}‏ أي‏:‏ وللنساء على بعولتهن من الحقوق واللوازم مثل الذي عليهن لأزواجهن من الحقوق اللازمة والمستحبة‏.‏

ومرجع الحقوق بين الزوجين يرجع إلى المعروف‏,‏ وهو‏:‏ العادة الجارية في ذلك البلد وذلك الزمان من مثلها لمثله، ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة‏,‏ والأحوال‏,‏ والأشخاص والعوائد‏.‏

وفي هذا دليل على أن النفقة والكسوة‏,‏ والمعاشرة‏,‏ والمسكن‏,‏ وكذلك الوطء ـ الكل يرجع إلى المعروف، فهذا موجب العقد المطلق‏.‏

وأما مع الشرط‏,‏ فعلى شرطهما‏,‏ إلا شرطًا أحل حرامًا‏,‏ أو حرم حلالًا‏.‏

‏{‏وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ‏}‏ أي‏:‏ رفعة ورياسة‏,‏ وزيادة حق عليها‏,‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ‏}‏

ومنصب النبوة والقضاء‏,‏ والإمامة الصغرى والكبرى‏,‏ وسائر الولايات مختص بالرجال، وله ضعفا ما لها في كثير من الأمور‏,‏ كالميراث ونحوه‏.‏

‏{‏وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ له العزة القاهرة والسلطان العظيم‏,‏ الذي دانت له جميع الأشياء‏,‏ ولكنه مع عزته حكيم في تصرفه‏.‏

ويخرج من عموم هذه الآية‏,‏ الحوامل‏,‏ فعدتهن وضع الحمل، واللاتي لم يدخل بهن‏,‏ فليس لهن عدة، والإماء‏,‏ فعدتهن حيضتان‏,‏ كما هو قول الصحابة رضي الله عنهم، وسياق الآيات يدل على أن المراد بها الحرة‏.‏

‏[‏229‏]‏ ‏{‏الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شيئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}‏

كان الطلاق في الجاهلية‏,‏ واستمر أول الإسلام‏,‏ يطلق الرجل زوجته بلا نهاية، فكان إذا أراد مضارتها‏,‏ طلقها‏,‏ فإذا شارفت انقضاء عدتها‏,‏ راجعها‏,‏ ثم طلقها وصنع بها مثل ذلك أبدًا‏,‏ فيحصل عليها من الضرر ما الله به عليم، فأخبر تعالى أن ‏{‏الطَّلَاقَ‏}‏ أي‏:‏ الذي تحصل به الرجعة ‏{‏مَرَّتَانِ‏}‏ ليتمكن الزوج إن لم يرد المضارة من ارتجاعها‏,‏ ويراجع رأيه في هذه المدة، وأما ما فوقها‏,‏ فليس محلا لذلك‏,‏ لأن من زاد على الثنتين‏,‏ فإما متجرئ على المحرم‏,‏ أو ليس له رغبة في إمساكها‏,‏ بل قصده المضارة، فلهذا أمر تعالى الزوج‏,‏ أن يمسك زوجته ‏{‏بِمَعْرُوفٍ‏}‏ أي‏:‏ عشرة حسنة‏,‏ ويجري مجرى أمثاله مع زوجاتهم‏,‏ وهذا هو الأرجح‏,‏ وإلا يسرحها ويفارقها ‏{‏بِإِحْسَانٍ‏}‏ ومن الإحسان‏,‏ أن لا يأخذ على فراقه لها شيئًا من مالها‏,‏ لأنه ظلم‏,‏ وأخذ للمال في غير مقابلة بشيء‏,‏ فلهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شيئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ‏}‏ وهي المخالعة بالمعروف‏,‏ بأن كرهت الزوجة زوجها‏,‏ لخلقه أو خلقه أو نقص دينه‏,‏ وخافت أن لا تطيع الله فيه، ‏{‏فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ‏}‏ لأنه عوض لتحصيل مقصودها من الفرقة، وفي هذا مشروعية الخلع‏,‏ إذا وجدت هذه الحكمة‏.‏

‏{‏تِلْكَ‏}‏ أي ما تقدم من الأحكام الشرعية ‏{‏حُدُودُ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ أحكامه التي شرعها لكم‏,‏ وأمر بالوقوف معها، ‏{‏وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}‏ وأي ظلم أعظم ممن اقتحم الحلال‏,‏ وتعدى منه إلى الحرام‏,‏ فلم يسعه ما أحل الله‏؟‏

والظلم ثلاثة أقسام‏:‏

ظلم العبد فيما بينه وبين الله‏,‏ وظلم العبد الأكبر الذي هو الشرك‏,‏ وظلم العبد فيما بينه وبين الخلق، فالشرك لا يغفره الله إلا بالتوبة‏,‏ وحقوق العباد‏,‏ لا يترك الله منها شيئًا، والظلم الذي بين العبد وربه فيما دون الشرك‏,‏ تحت المشيئة والحكمة‏.‏

ehab
مشرف عام
مشرف عام

الساعة الآن :
ذكر
العمل : محاسب
الهوايات : الكتب الدينية
رقم العضوية : 11
تاريخ التسجيل : 06/09/2007
عدد الرسائل : 818
البلد : المدينة : مصر / القاهرة
علم بلدك :
الاوسمة :
  دعاء :

اعضاء رد: تفسير السعدى - الجزء الخامس عشر

مُساهمة من طرف ehab في الجمعة يونيو 05, 2009 4:23 pm

‏[‏230 ـ 231‏]‏ ‏{‏فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ طَلَّقَهَا‏}‏ أي‏:‏ الطلقة الثالثة ‏{‏فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ‏}‏ أي‏:‏ نكاحا صحيحا ويطؤها‏,‏ لأن النكاح الشرعي لا يكون إلا صحيحا‏,‏ ويدخل فيه العقد والوطء‏,‏ وهذا بالاتفاق‏.‏


ويشترط أن يكون نكاح الثاني‏,‏ نكاح رغبة، فإن قصد به تحليلها للأول‏,‏ فليس بنكاح‏,‏ ولا يفيد التحليل، ولا يفيد وطء السيد‏,‏ لأنه ليس بزوج، فإذا تزوجها الثاني راغبا ووطئها‏,‏ ثم فارقها وانقضت عدتها ‏{‏فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا‏}‏ أي‏:‏ على الزوج الأول والزوجة ‏{‏أَنْ يَتَرَاجَعَا‏}‏ أي‏:‏ يجددا عقدا جديدا بينهما‏,‏ لإضافته التراجع إليهما‏,‏ فدل على اعتبار التراضي‏.‏

ولكن يشترط في التراجع أن يظنا ‏{‏أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ‏}‏ بأن يقوم كل منهما‏,‏ بحق صاحبه، وذلك إذا ندما على عشرتهما السابقة الموجبة للفراق‏,‏ وعزما أن يبدلاها بعشرة حسنة‏,‏ فهنا لا جناح عليهما في التراجع‏.‏

ومفهوم الآية الكريمة‏,‏ أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله‏,‏ بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية‏,‏ والعشرة السيئة غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحا‏,‏ لأن جميع الأمور‏,‏ إن لم يقم فيها أمر الله‏,‏ ويسلك بها طاعته‏,‏ لم يحل الإقدام عليها‏.‏

وفي هذا دلالة على أنه ينبغي للإنسان‏,‏ إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور‏,‏ خصوصًا الولايات‏,‏ الصغار‏,‏ والكبار‏,‏ نظر في نفسه ، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك‏,‏ ووثق بها‏,‏ أقدم‏,‏ وإلا أحجم‏.‏

ولما بين تعالى هذه الأحكام العظيمة قال‏:‏ ‏{‏وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ شرائعه التي حددها وبينها ووضحها‏.‏

‏{‏يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏ لأنهم هم المنتفعون بها‏,‏ النافعون لغيرهم‏.‏

وفي هذا من فضيلة أهل العلم‏,‏ ما لا يخفى‏,‏ لأن الله تعالى جعل تبيينه لحدوده‏,‏ خاصا بهم‏,‏ وأنهم المقصودون بذلك، وفيه أن الله تعالى يحب من عباده‏,‏ معرفة حدود ما أنزل على رسوله والتفقه بها‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ‏}‏ أي‏:‏ طلاقا رجعيا بواحدة أو ثنتين‏.‏

‏{‏فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ‏}‏ أي‏:‏ قاربن انقضاء عدتهن‏.‏

‏{‏فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ‏}‏ أي‏:‏ إما أن تراجعوهن‏,‏ ونيتكم القيام بحقوقهن‏,‏ أو تتركوهن بلا رجعة ولا إضرار‏,‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا‏}‏ أي‏:‏ مضارة بهن ‏{‏لِتَعْتَدُوا‏}‏ في فعلكم هذا الحلال‏,‏ إلى الحرام، فالحلال‏:‏ الإمساك بمعروف والحرام‏:‏ المضارة، ‏{‏وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ‏}‏ ولو كان الحق يعود للمخلوق فالضرر عائد إلى من أراد الضرار‏.‏

‏{‏وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا‏}‏ لما بين تعالى حدوده غاية التبيين‏,‏ وكان المقصود‏,‏ العلم بها والعمل‏,‏ والوقوف معها‏,‏ وعدم مجاوزتها‏,‏ لأنه تعالى لم ينزلها عبثا‏,‏ بل أنزلها بالحق والصدق والجد‏,‏ نهى عن اتخاذها هزوا‏,‏ أي‏:‏ لعبا بها‏,‏ وهو التجرؤ عليها‏,‏ وعدم الامتثال لواجبها، مثل استعمال المضارة في الإمساك‏,‏ أو الفراق‏,‏ أو كثرة الطلاق‏,‏ أو جمع الثلات، والله من رحمته جعل له واحدة بعد واحدة‏,‏ رفقا به وسعيا في مصلحته‏.‏

‏{‏وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ‏}‏ عمومًا باللسان ثناء وحمدا، وبالقلب اعترافا وإقرارا‏,‏ وبالأركان بصرفها في طاعة الله، ‏{‏وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ‏}‏ أي‏:‏ السنة اللذين بيّن لكم بهما طرق الخير ورغبكم فيها‏,‏ وطرق الشر وحذركم إياها‏,‏ وعرفكم نفسه ووقائعه في أوليائه وأعدائه‏,‏ وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون‏.‏

وقيل‏:‏ المراد بالحكمة أسرار الشريعة‏,‏ فالكتاب فيه‏,‏ الحكم، والحكمة فيها‏,‏ بيان حكمة الله في أوامره ونواهيه، وكلا المعنيين صحيح، ولهذا قال ‏{‏يَعِظُكُمْ بِهِ‏}‏ أي‏:‏ بما أنزل عليكم‏,‏ وهذا مما يقوي أن المراد بالحكمة‏,‏ أسرار الشريعة‏,‏ لأن الموعظة ببيان الحكم والحكمة‏,‏ والترغيب‏,‏ أو الترهيب‏,‏ فالحكم به‏,‏ يزول الجهل، والحكمة مع الترغيب‏,‏ يوجب الرغبة، والحكمة مع الترهيب يوجب الرهبة‏.‏

‏{‏وَاتَّقُوا اللَّهَ‏}‏ في جميع أموركم ‏{‏وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏ فلهذا بيّن لكم هذه الأحكام بغاية الإحكام والإتقان التي هي جارية مع المصالح في كل زمان ومكان‏,‏ ‏[‏فله الحمد والمنة‏]‏‏.‏

‏[‏232‏]‏ ‏{‏وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ‏}‏

هذا خطاب لأولياء المرأة المطلقة دون الثلاث إذا خرجت من العدة‏,‏ وأراد زوجها أن ينكحها‏,‏ ورضيت بذلك‏,‏ فلا يجوز لوليها‏,‏ من أب وغيره‏;‏ أن يعضلها‏;‏ أي‏:‏ يمنعها من التزوج به حنقا عليه‏;‏ وغضبا‏;‏ واشمئزازا لما فعل من الطلاق الأول‏.‏

وذكر أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإيمانه يمنعه من العضل، فإن ذلك أزكى لكم وأطهر وأطيب مما يظن الولي أن عدم تزويجه هو الرأي‏:‏ واللائق وأنه يقابل بطلاقه الأول بعدم التزويج له كما هو عادة المترفعين المتكبرين‏.‏

فإن كان يظن أن المصلحة في عدم تزويجه‏,‏ فالله ‏{‏يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ‏}‏ فامتثلوا أمر من هو عالم بمصالحكم‏,‏ مريد لها‏,‏ قادر عليها‏,‏ ميسر لها من الوجه الذي تعرفون وغيره‏.‏

وفي هذه الآية‏,‏ دليل على أنه لا بد من الولي في النكاح‏,‏ لأنه نهى الأولياء عن العضل‏,‏ ولا ينهاهم إلا عن أمر‏,‏ هو تحت تدبيرهم ولهم فيه حق‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏

    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة يوليو 28, 2017 5:00 pm